..  كل سعادة الانسان تكمن في المخيلة
   
 

من نصوص المجموعة:

  1. تابوت

  2. دعاء    

  3. رسالة إلى غائب

  4. في مديح الحب

  5.  لم أرني

  6. نافذة الماسنجر وزر القميص

  7. نهدهد الحجر


تابوت

أنت ميت .. طبعاً

فلماذا يتحشرج قلبي في السكرات؟

هل الحبل الملتف حوله

متصلٌ بتابوتك؟

لماذا تابوتك ثقيلٌ إلى هذا الحد؟ 

كلما باغتني هيكلك العظمي، لم أخف

أقول: حتى الموتى يربتون على كتف غربتي

لكن العظام الناتئة في هيكلك تثقب كتفي

جثة في قلبي

وقيادةُ قلبٍ ترقد الجثثُ فيه

أسوأ من قيادةِ سياراتِ نقل الموتى

تحمَّلنا ذاكرةً فائضة عن الحد، وتحمَّلناك

ربينا الجثثَ في القلب، ودفناك

فلتمت أيها الميت

لقد أهلكنا سحب تابوتك

فلتموتوا، أيها الموتى

لقد قصمتم ظهورنا

لقد قصمتم ظهورنا.

 تراجع

 

دعاء

"دعا المحرمون الله يستغفرونه بمكة شُعثا كي تُمحَّى ذنوبها

وناديت يا رحمن أول سؤلتي لنفسي ليلى ثم أنت حسيبها"

                                                              مجنون ليلى

"يا رب, أشغلنا بك عمن سواك"

عن البشر, وعن التماثيل.

عن التماثيل خاصة.التماثيل التي ننحتها لهم, وهم –لعلمنا- لا يشبهونها.

وهي –لا يهمها أن نعلم- لا تشبههم.

ويا رب, بلغنا القناعة.

خاصة قناعة الكف عن مطاردة الكمال.

ويا رب, أثث فراغ قلوبنا بما تحب, ولكن احمنا من نوبات تكسر الأثاث عليها.

واحم فراغها, وامتلاءها أيضا.

وارحمها, خاصة حين تمتلئ ببسط قديمة, لا بأثاث فاخر.

ويا رب, أرسل الغيث على صحارينا.

ولكن, اسمح لجذور النخل العتيدة فيها أن تقتلع. فقد تعبت صحارينا من تشبثها بجفافها.

ويا رب, نور بحكمتك المضغ الصغيرة فينا

ولكن لا تلجمها.

ويا رب, أرسل ملاك السلام ليخمد حرب الشوق,

ويمسح بجناحه على طمأنينة النوم لتأتي,

ولكن حذره لئلا يدخل مناماتنا.

ويارب, لا تجعلنا من القانطين.

ولا من المحرومين.

خاصة من شقاء الحب.

  تراجع

رسالة إلى غائب

على البحر سرت، ونظرت في صفحته، ولم أر المخبوء في عمقه، سمعت قصص العشق والموت، وتهاليل القرود لتشرق الشمس، ومراكب الشمس، والخصب، ولم أسمع قدري، ولم أسمع الصوت المخبوء في لوحي منذ الأزل، لم يمسك بعد بتلابيب روحي، ويقتنصها، ويعرفني عمقه المبحوح على دنيا الألم، في قطرة ماء واحدة من بحر خائن.

أغمض عيني، فأرى السطور تضيء، صفراء، وأرى السطور عيون، وأرى العيون جارية بدمع مالح، يتساقط في بحر بعيد، وأنا ، لم أعد أنا.

أنا لم أعد أنا ، مربوطة يداي بأعتى الحبال الغليظة، ومسوقة بلا اختيار في الدروب التي لا تلفت بها، ومهما سال الدم من جروحي لا يصنع بركة تغرقني، ولا يمنحني سلام الموت، أو العودة.

على حد السكين البارد وضعت هذه العنق، ولا اختيار، فما خطته يد القضاء قد خطته، وأنا أحمل كفني إلى عتبة التسيير.

أحمل صخرتي على صدري,أينما توجهت مراكب الروح جثمت صخرتي، ونَمَت، وأنا ، مسحوقة تحت ثقلها، مجنونة تحت نيرها، أنادي:"آن أن تعلو بصحراء السرى شعلة"، ولا شعلة، ففي الظلام يتخبط القلب، وبين الرحى تفتت، بلا نأمة استنجاد واحدة، بلا يد تحملني، بلا بصيص، بلا أفق، لا شيء، لا شيء، فقط انسحاقي تحت ثقل صخر لا أراه، ويراني ، وإليّ سار منذ خُلِقت الأكوان، وكل ما عشته، كان بانتظاره، وحين جاء، جثم عليّ ، وقتلني، كما ينبغي له.

لماذا لا تشفيني اللغة؟

لماذا لا تطببني الكلمات؟

لماذا لا تخرج الحروف من نظمها لتمسح دمعي؟

لماذا لا تفتح كنوز إعجازها لتحوي ألمي؟

لماذا أنا وحيدة في عمق توهمي التوحد بآخر؟

ألا ليت كل اثنين بينهما هوى من الناس والأنعام يلتقيان

مسكونة أنا بالحضور الساطع ، بحضورك، ومنفية من جزر اللغة أبحث عن وجهي ، وأحلم في النوم والصحو ، بلا توقف ، ولا أراك.

قلتُ كلاما كثيرا عن الحب كي لا أحب ؟ وكل الشواطئ لا تفضي إليك، أينما اتجهت سفنه.

أنا لا أبحث عن الخلود في كلماتك، لا خلود للعابرين مهما سكنوا القصائد، والقصائد التي تؤلم كتبت لسوانا، وانتهى الأمر.

أكانت ستنحرف وجهة السفائن؟ كل ما مضى قد خطته يد القضاء، وعبثا تمحو كل توسلاتي ودموعي المهدرة حرفا واحدا.

انظر جيدا، ليس في الغيمة وعد بالمطر، هذه أصابعي لحاء شجر يابس، وظاعن هذا الفؤاد، ومقيم ذلك الحزن.

العالم يتحول إلى فكرة واحدة، كل العالم، البشر والعمران والأفكار يتلاشون في الفكرة الواحدة، وتصبح هذه الفكرة ، هي العالم كله، ولا شيء مطلقا على هذه الكرة الكبيرة الصغيرة غيرها.

وأنت الفكرة.

لماذا أعرفك كل هذه المعرفة العظيمة؟

لماذا لا أعرفك البتة؟

هل تراني؟ هل تراني؟

إني لا أكف عن رؤيتك.

للناس مني ما ليس مني ، ولك كلي.

كيف آمن المقام وجرس الباب قد يدوي في أي لحظة مناديا:"جهزوا المتاع"؟

متى سمعت النداء لبيتُ، لا مقام لي، ولا اختيار

قل كل شيء عن الحياة ، قل كيف نرى العالم في لمحة ، كيف يذوب كل ما عشناه ويبعث من جديد في خطفة واحدة من شعاع يتكسر على نافذة الصبح.

وماذا أقول لك؟

أريد أن يوقفني البوح عن البوح ، أريد أن أراك في مكان ليس على هذه الأرض الصغيرة السجانة ، وفي زمان لا يعد بالساعات والدقائق. وأريدك أن تعرفني ، كما أنا ، صادقة ، وحقيقية.

أعرف أنه ينبغي أن أكتب.

الكتابات الأخرى المفروضة: الأوراق المفروضة ، الخطابات الرسمية ، وقائمة المشتريات.

أعرف أنه ينبغي أن أكتب.

وأريد أن أكتب ما لا ينبغي.

ما سأموت دون كتابته، وما أموت بكتابته.

أريد أن أكتب.

كثيرا كثيرا، بقدر كثرة الألم المزدحم بداخلي، بالقدر الذي تحتمله كلمات اللغة الشحيحة المترفعة ، بالقدر الذي يطبب الروح الكلمى.

ولا أستطيع أن أكتب، الكتابة بوح. والبوح سقوط في اللجة من جديد.

البوح خطر ، ومخاتل ، ومتحفز ، وينصب الشباك ، ويعرفنا على الذي لا نريد أن نعرفه ، ويرينا الذي لا نريد أن نراه. والبوح كتابة.

ولكني أريد أن أكتب، كثيرا كثيرا.

أصنع العشاء ، أجفف الأواني بالفوطة ، أتأملها ، ولا أحد يجفف دمعي. وأرى الحساء المغلي ، وأطفئ النار، ولا أحد يطفئ أساي. وأسير ، كما ينبغي ، نحو الواجبات ، نحو الطرق المرسومة ، أنتقي ملابس الغد ، أصر على الألوان الرمادية ، أجهز الفراش ، أقرأ المجلات الخفيفة ، وآكل ، كما ينبغي، ولا أحد ، لا أحد البتة يلم تشعثي ، ويأخذ هذا الرأس الثقيل الثقيل في صدره.

والصدر الذي حلمت به ، ليس لي.

ولن يكون.

أدخل في الثياب، أدخل في الناس ، أدخل في الكلام ، أدخل في الكتابة ، وأظل ألقاني ، وأظل أراني ، وأرى اشتعال الغابات التي أقسرني على هجرها ، وأشم الدخان ، وأختنق ، وحيدة وحيدة ، رغم كل ما ألتف به من ثياب وبشر وأفكار.

ما أشد وحشتي، ما أقسى شوقي.

هذا المساء ذهبت إلى البحر

كان البحر كدرا كما كان في حلم البارحة وضرب الصخور بعنف ، وتقافز رذاذه غاضبا، وفي الحلم كان مراوغا، وحاول أن يزل قدمي إلى المنطقة الأعمق.

في الحلم، قلت: لا أجيد السباحة.

والليلة أردت أن يحملني هذا البحر الكدر إلى حيث يجيد

موشوم رسمك على جفني

أي هواء أتنفسه لا تمتلئ كل ذراته بك؟

معذب هذا القلب على عتبة الدرب الأبعد والأصعب

بأي قوة أنزع كل هذا الشوك؟ يداي التي تعرف، كما تعرف: أكثر هشاشة من تحمل هذا الألم المتفجر، وأضعف من هذا الانتزاع المرغوب.

مليئة بالظنون، ولكن الظنون لا تقودني إلا إليك.

مليئة بالشكوك، ولكن يقيني أنت

كيف تتحول حياتي إلى انتظار متصل معذب بأمل ضئيل؟

أرغب أن أخرج من مدن الأحلام المستحيلة هذه، أرغب أن أرى ما أراه ، وأسمع ما أسمعه، ولكني في مقام الفناء ولست في مقام الرغاب.

أرى ما لا يُرى

وأسمع ما لا يُسمع ،وأحلم، بلا توقف، بلا سكينة، بعينين جوابتين، استراحا لحظة على ظلي العابر ، وسيذهبان.

فمن يرفأ شرخ الروح عندئذ؟

وبم أشتري ما بعت بلا ثمن؟

وكيف سأسحب ظلي ورائي وقد سمرته النظرة العابرة إلى الأبد؟

من يوقف هذا الزحف المجنون علي؟

ولم يوقف؟

عذابه ثمن نعيمه المستحيل.

قد أحرق لساني الكتمان كما أحرقه البوح

هذا الضوء المتسلط فجأة على البقع المعتمة الهاجعة في أعماقنا.

هذا الضوء الذي يرينا ذواتنا ، ويوهمنا –بكل إتقان- أنه يرينا الآخر.

نسميه الحب، ونزعم أنه يبدع الأمل، وهو لا يبدع غير الأحلام.

أحلام محمومة تنتمي سلفا لمساحات المستحيل.

 كانت السماء صافية، زرقاء رغم العتمة، ولم أرد إغماض عيني ، أردت أن أتزحلق من ضوء نجومها إلى بهاء الحلم مباشرة ، وعرفت ، بين النوم واليقظة ،ونسيم معطر بالياسمين يهب، أن الأرض أضيق من لقائنا.

وإني لا أريد رؤيتك ، في ظهيرة قائظة ، تحت الشمس الحارقة، الساعة في معصمك، والناس عيون.

أردتك في الشرفة ، أن تمسك بيدي، وتطير معي ، بأجنحتنا السرية، صوب هذه السماء الصافية ، الحانية الزرقة

في الصباح الباكر ، تفتح لون السماء، وظل الحلم ماثلا، كأنما لم يكن النوم إلا استكمال لتفاصيله.

فلتوضع السكين على هذه العنق وليسيل دمي حتى يجف الألم، فلترمني السهام التي مزقت الغزال الصغير في اللوحة ، فلأمت، فلأمت، إن هذه الحياة لا تحتمل. وهذه القيود أثقل من هذه الرقبة المذبوحة.

المجد لك أيها اليأس

لم لا تحملني بعيدا بعيدا إلى حيث تشتهي ؟

لم أظل أتعذب بهذا الملعون الذي نسميه –بكل تواضع- الأمل؟

اللعنة على اللغة

إنها السكين ، إنها جرار السم المتنكر في الشهد ، إنها منبع كل آلامي وتيهي

المجد لليأس الذي لا يريدني ، الذي أشتهيه بكل قوة الأمل ، ولا يأخذني إلى شاطئه الساكن البعيد عن العواصف،ولا يملأ رأسي بالنوم العميق.

أجرح هذه الجدران الصماء ، أكسر هذه النوافذ الأفاكة ، ولا أطير كالطيور ، رباه ، سجينة أنا كالعصافير في ريشها ، سجينة أنا في ، متى أخرج مني؟ متى أتحرر مني؟ متى أطير خفيفة كما أتمنى ، إن أماني الحقيقية لا تتحقق ، تتحقق لي أماني الناس لي ، وأنا فرغت من الناس ، وأريد أن أتحقق أنا ، أريد أن أطير أنا ، لا أريد هذا الرفاه الساكن ،أريد أن أطير ، وحيدة ، وخفيفة ، وبلا أمل ، وبلا رغبة ، وحيدة ، وخفيفة ، بلا أسئلة ، بلا ذاكرة ، بلا أي شيء من هذه الدنيا السجانة ، القبيحة ، أريد بحرا.

أريد أن أغرق على ذلك المركب الشراعي البطيء  ، أريد أن ينهدم فوقي ذلك المعبد القديم ، أريد أن يأخذني السحرة إلى كهوفهم ويمصوا عظامي السجينة ويذروها في التراب، أريد أن أطير ، أن أطير ، لا أريد هذه الأرض ، لا أريد انتظارك ، انتظارك يذلني ، ويعيق جناحي عن النمو ، ويدخلني ألف قفص.

ولتدعني، ولكن دعني مرة كاملة ، دعني في بلاهة الاكتمال ، وقل: أدعك ، لا تلعب معي لعبة الصبر السخيفة هذه ، لا تدخرني ، لتوقف  هذا العبث، أنا لا أفهمه ، ولا أعرفه ، وأريد أن أموت عوضا عنه.

أريد أن أموت ، فكل شيء لدي.

كل شيء لدي.

 المكتبة بيضاء الجدر، وقلبي بلا ألوان، مجرد مضغة تضخ دماءها بحكم العادة ، وبتقارير البقاء على أسر الحياة ، تقارير محكمة بلغات ليست لنا تعلن في غرف مجهزة بكل شيء ولا شيء بأننا نتنفس الهواء. نشرب الماء. أي نحيا كما ينبغي لكل من يضخ قلبه الدماء.

لوحة لفيل بني يسير بين نخلتين ، أنيابه بيضاء ، وإطار اللوحة محدد ولا يسمح للفيل الطليق بالهرب ، أبدا يمشي نحوي ، وأبدا لا يصل إلي. قصاصات الجرائد وأوراق للشعر المخاتل وكلمات ..مجرد كلمات معلقة على لوحة خشبية ، وصورة لفريدا وبطاقة شكر من أحد ما، والجدول ورسمة طفلة.

أنا خلف الحاسوب ، أنقر هذه المربعات ، ويدي التي قال عنها بأنها لم تخدش قد خدشت مرارا.

الجدار على يساري تحتله الكتب من أعلاه إلى أدناه ومهما قرأت فكل ما تفعله الكتب هو أن تزيد شقاءنا بالوجود. بمجرد فكرة الوجود.

في أول الفجر ، والجنون بكر ، أجلس خلف هذا الجهاز الأحمق، وأسمع صوت النقر ، خلفي على النافذة ينقر طيران الزجاج بدأب ، ثم يتعانقان ، وأنا أنظر ، وأريد أن أكسر النافذة وأصبح طيرا ثالثا وأذهب معهما ، ولا أستطيع ، إنني مرتهنة بنقري أنا على هذه العلب المعدنية ، ومرتهنة بهذه المضغة ، ومرتهنة بهذا الجسد الثقيل ، ولا ريش لدي ، ولا صبح فسيح ، ولا نور واهن أول الفجر ، وطارت الطيور ، وبقيت ، خلف الشاشة ، مقيدة بالغياب والحضور ، واستيقظ العامل ، وبدأ يسقي المزرعة ، وأنا لست شجرة ، ولا شيء يسقيني ، وراقبت العامل ولم يرني ، رأى أشجاره ، ولست نبتته الصغيرة ، ولا أريد ، لا أريد أن أكون جذورا ثابتة ، أريد أن أطير.

ارحمنا

يا قلب السنونوة.

تراجع

في مديح الحب

 

أحببت كريات دمه الحمراء والبيضاء والصفائح الحديدية وزر قميصه وعظام قفصه الصدري وكبده وحذائه وصحن السمكة الأزرق والحصى الذي يبعد عشرة كيلومترات عن بيته ومخ ساقه وبصيلات شعره وشايه الأسود وصورة الملكة في علبه الرخيصة وهاتفه الذي داخله الماء وهاتفه الجديد بالكاميرا الذي سرق وصوت نقره على لوحة المفاتيح وعلم مدينته وطحاله وعظام جمجمته الناتئة وكرة القدم التي ركلها صبيا والماء المر الذي يشربه والبنت التي قبلته حين كان في السادسة والبركة التي سبح فيها يوم العيد مع أطفال الجيران وسوط أمه ونظارة أخيه ولمعة قرطي أخته العروس وبياض عظمة إبهامه وسلة غسيله والخشب في سقف جيرانه ونار أبيه وهداياي التي باعها بثمن معقول وحرف السين الذي يمضغه واسمي وقبيلتي وبيتي وسنورتي وسيارتي وفستاني الأسود.

أحببت الطائرات الحربية في سمائه ومدرسته المتداعية ودكانه الذي يشتري منه الجبن الرومي وعضلة قلبه وكعك العيد وأقسامه المغلظة وأعصاب رأسه واسمه في جوجل والفتيات الساذجات يشتمنه ونافذته الخشبية العريضة والجرح الغائر يشق حاجبه وحشية أريكته البرتقالية وأسنانه الموجَعة وبطاريات مسجله وطيبته المفرطة وهو يقدم رسائلي المسلية لحبيبته التي تعد الفراش وتطهو الطعام وتنظف ايميله من الحشائش الضارة وتقدم النصائح الثمينة.

تراجع

 لم أرني

 

أرى الصور:

الصورة المشنوقة على صدر الجدار صورتي، مشروخة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومحززة بالسكاكين المتخفية، ومخلوعة عن البراءة إلى الأبد.الصورة المرمية في الشاشة صورتي، الصورة المستترة في كتاب صورتي، الصورة المتجعدة في الدرج صورتي، الصورة التي يجرها القلب على عربة صورتك. كاملة ومستوية ورصينة المواجهة. البنت التي ركضت بثوب الابتدائي أنا ، البنت التي كتبت رسائل الحب  في الصف السادس أنا، البنت التي مزقت صور العاشقين أنا،والولد الذي نظر ببلاهة في الصورة أنت.البنت التي حلمت بالجزيرة السرية أنا ، والولد الذي حلم بالشهرة والمجد أنت، البنت التي ستموت عاجلا أنا والولد الذي سيعيش حتى الثمانين أنت.

  

أرى يدك:

يدك شبكة صيد، وجهي بالٍ يسيل من حنايا الشبكة، يدك شبكة صيد ، مفتولة بيقين الخبرة، وجهي ممزق بوسع شروخها المتقنة، يدك شبكة صيد متجددة ، وجهي شاخ على ثقوبها منشرخا لم يجد المنفذ، لا يصغر ولا يكبر، ويدك ، شبكة الصيد، لا تأثم ، فالشباك لما صنعت له، وكلٌ ميسر لما تكلم من أجله، والوجه المكسور، الممزق في مرآة الحمام؟ وجهي. واليد الخربة، غائصة في دم قلبي. والبنت بالثوب الأحمر والضفيرة؟ أنا قبل أن تنفتح طاقات السماء على الشباك، قبل مواسم الصيد .مواسم بلا رجعة.وذلك الجمهور الغفير؟ الضباب. الضباب. الكعب المدبب الذي سرت عليه وأنا حافية، الممر الطويل الذي كدت أرقص في رصانته، من فرط دهشة الحب وضوئه، ثم ماذا؟ صدقت اللعبة ، لعبة لا تمل، أو هكذا جاءت، هكذا نطقت، والنطق؟ هشاشة المرايا، والشماعات التي لا أعرف.وماذا بعد؟ الهجر. الهجر. الهجر. صيغة النعيم الأجمل من كل وحوش الغابات، وقروش البحر.

  

أرى يدي:

سيحك النور المخدة شيئا فشيئا فيأتي الصباح الجديد. ولن تأتي.

وسأنهض مهما عز القيام. وأنطلق في الطرق المرصوفة. الطرق المرسومة. طرق لن يفاجئها ظلك في أي وقت.

ولن تحلم بسواه، في أي وقت.

يدي ممدودة أبدا، حيث يدك، مخدوشة أبدا بظفر الإعراض، وآثمة أبدا بلحظ الكلم

رأيت يدي الممدودة.

رأيت يدي الفارغة.

رأيت يدي المضمومة.

كما في صلاة لن تنتهي.

وغابت يدك

رغم زخارف الوعد وبساتينه.

 

أرى النمر:

سيحك النور المخدة شيئا فشيئا، ولن يفتح النمر الطائش في قلبي عينيه، سيهرب في أدغال النوم يفتش عن نعناعة حملت ضوءك في منام الأمس.

سيعصب عينيه عن السماء الحارقة الإضاءة وعن الأرض القاحلة ويختبئ في دغله حيث الاخضرار حلم خاطف صغير منحته يدك.

النمر الطائش في قلبي لا يعود من حلم الضوء بغير الجروح.

كل الحالات ميادين للروح

كل الحالات ميادين: من أين يهطل الحنين بهذه الغزارة؟

من أين يملأ الصفح روحي المختومة بالنصال؟

لا أنتظر. فرغت من الانتظار ولم يفرغ مني النصب.

 

أرى الدرب:

كل شيء قليل وشحيح في هذا الدرب.

على جانبيه البلور. كم خدشته أظافري، ولم ينخدش.كم لمع في عيني دفئه وتجمدت أناملي منه.

وهذا الماء الساري في البلور؟ دمع لا يسري على خدي. وهذا الضوء؟ عيناي تمسه وحسب.

كلما لفني شح هذا الدرب نزعت الأغصان من قلبي لأستنبتها على جانبيه. لكنها لا تنغرس في البلور، ولا تمد الجذور ولا تورق.

البلور بلا روح ويمج أغصاني.

 

أرى الأسماء:

قلت: سأسمي الأشياء:

هذا اسمه الهجر. هذا اسمه الكبرياء.هذا اسمه اليأس. هذا اسمه دمع. هذا اسمه ألم.

قلت: سأسمي الأشياء:

هذا اسمه مفتاح. هذه اسمها دمية. هذا اسمه دفتر.هذا اسمه ديوان.هذا اسمه ألم.

قلت: سأسمي الأشياء:

هذا اسمه قلم. هذا اسمه بيت. هذا اسمه صوت. هذا اسمه وجه. هذا اسمه ألم.

قلت سأسمي الأشياء: هذه اسمها صورة. مجرد صورة. مجرد ورقة حبست ظلينا. قال: كائن من الضوء بيننا وأنا أميل عليك. ميله لا يكتمل أبدا، والكائن الضوئي يتشرب الظلال.

  

أرى البيت:

أنا على أريكتي الوثيرة، أمامي التلفزيون، وفي حجري دمية. وأنا لست هنا، أنا على تلك الأريكة ، وحجري فارغ. أنا في المكتبة، الكتب المنظمة تصل للسقف، والجدران ملأى باللوحات، وأنا لست هنا، أنا في تلك المكتبة المبعثرة على الكرسي القديم واللوحة البورتريه. أنا في المطبخ المكسو بالسيراميك السماوي أصنع الشاي. وأنا لست هنا، أنا في أصغر مطبخ رأيته وتصنع لي القهوة برغوة فوقها. كيف تتكون الرغوة؟ ورأيتني هناك ، أدق الباب ، بقبضة مستميتة ، ومأكولة باليأس، ورأيت الباب يفتح ، ورأيتني أوزع بقايا خلاياي على الجدران الحجرية والأرائك، ورأيتني أفقد عنفوان الإيمان. ورأيتني هناك ، على صخرة في الشط، مبللة بماء السماء، ومعصورة القدمين من الدروب الملتوية، وطرت طرت طرت ،لكن أسلاك الكهرباء صدتني ، وعلقتني مشنوقة فيها بالصدمة الكهربائية. ولم أمت.

أنا لست هنا ولست هناك.

 

أرى الكهف:

آه أيتها النخلات اليابسة، لماذا الكهف بلا باب، لماذا الظلام بلا نار، ولماذا لحمي نيئا يأكله السحرة؟ قفوا أيها السحرة، واشووني فأنا أطيب مستوية.تسيل الوديان تحت الجلد، ولا يراها غيري، عكرة وبنية، أسمع صوت تدفقها ، وأرى العينين، لا أتوقف عن رؤيتهما، والنوم ، ما النوم؟ واحة السلام الوحيدة. وخطوتي لم تغادر ذلك البيت، لم تغادره مذ خطت إليه. وانتهى الأمر. هل انتهى الأمر؟ رفرفت الحمائم، انتصبت الأشجار الصحراوية في قلب القصيدة، دخلت رمال الشاطئ في ثقب القلب، وكل ما لم نعشه لا ينتظر.لا ينتظر. من ينتظر من؟ وفي منتصف الدرب من يودع من؟ الاختيارات؟ مضحكة. حروف منشورة ، كلها منشورة على حبل غليظ للغفلة، والكلمات؟ آه الكلمات، كلها عتبات، وميادين، وكهوف جديدة.

  

أرى اللعبة:

 كان كل شيء يمكنه أن يكون أكثر عطاء، أكثر تبادلا. لم يكن أي شيء يمكنه أن يكون أكثر زخما.

أرى السلاح:

لماذا خيط الخرير الذي شرنق قلبي أصبح حبل ليف..هل كان حبل ليف غليظ منذ البدء وفاتتني الانتباهة؟  هل كانت الإشارات واضحة وخانتني الرؤية؟ أم الرؤية نبع ماء حركت أنت قاع طينه كختام؟ أم الرؤية مرآة مصقولة أنت اختبأت خلفها بشاكي السلاح فأخطأ الانعكاس مقتله؟ أم الرؤية أغلقت عينيها ونامت عن يقظتها وسلمت الأمر؟

في كل ليلة تتفلت جدران بيتك حجرا حجرا لترجم نومي,  وفي كل نهار ينبني من جديد. كاملا كاملا, لا تعيث به يد الكذب المجيدة , يد الكذب المتقنة, يد الكذب الخالية من العروق الخضراء الكريهة.

في كل ليلة تهوي جدران بيتك على رأس حلمي, وفي كل نهار يستيقظ البيت كاملا كأنما لم تكسره موجة موسيقى القصيدة ولم يدخل في إقواء القافية. سليما ومعافى من كل عيب يمس البيت والأبيات والبيوت.

في كل ليلة أرى بيتك, وأرى الجسور حول مائه تحترق, , وأرى الماء طينا , والطين لا يصبح فخارا, لا جرار ولا أواني قابلة للتهشم, لا شيء يتهشم سواي.

كل ليلة , يا للعار, يأتي مرة أخرى هذا السؤال: لماذا؟ يأتي رغم القائمة المعدة المتقنة المحكمة التي لا تترك مجالا للشك, أو للكذب. ويأتي.

أكان صدقي في كل ذلك حقيقة خطأي؟

صدق كل شيء كان حقيقة الخطأ.
         صدق كل شيء كان حقيقة الخطأ.

 

أرى الوجه:

وجهه البعيد مثل نزهات الطفولة ، كيف أفتقده بهذا القدر الزاعق وهو لم يكن أبدا لي؟

للحظات قليلة ظننت أنه لي، عيناه بالتجاعيد الخفيفة لي، وأذنه بثقب النذر القديم لي ،وشعره القصير جدا لي. لكنه لم يكن لي ، سمرت نظرته المحبوب\المحب وغاصت في داخله هو. سحبني وجهه لبرهة ثم مضى.

وجهه بعيد بكل وجه حق.

وجهه غائب كما ينبغي.

وجهه متحجر كما يليق.

وجهه ليس بين كفي. لم يكن بين كفي.لن يكون بين كفي.

 

أرى الشمس:

الشمس الصغيرة المكورة الساطعة طلعت في قلبي. وفرحت.

لكن الشمس نجم، والنجوم ثقيلة.

والشمس الصغيرة المكورة الساطعة أصبحت مفرطة الثقل في قلبي، وحزنت.

لكنها لا تغرب.

 

أرى حمامة زرقاء:

قلبي حمامة زرقاء مهيض جناحها بالتجاهل.

فضاؤها مجروح بلذعة اليأس.

وبؤس عدم انتهائه لأي عش؟

لأي قبر..لأي مثوى..اليأس طليق يعبث في أفق مستسلم. اليأس لا يحد.

قلت للحمام الأزرق كل الكلام الذي ينبغي قوله في مناسبات كهذه.والحمام بلا آذان.طار طار طار رغم النيران التي وثبت لريشه رغم دمه الذي صبغ المحيطات.طار طار طار. دربت أصابعي لإمساكه ولا مقلاع لدي. قلت كل الكلام الذي ينبغي قوله. ولم يسمعني أحد. لمعت كل اللحظات الصغيرة الخاطفة، حفظت الكلمات القديمة كلمة كلمة. لم يشِ بي شيء. لا الأرق . ولا دنف الجسد. كل شيء مبرر. كل شيء مصون عن الوشاية. وقاومت.آه قاومت. حتى غدت المقاومة كل جلدي حتى فقدت في المقاومة كل جلدي. وأصبحت منحنية تحت ثقل تركتها. لكنها لم تمت. أنا مت مرارا أنا اندفنت تحتها. أنا صرخت والرمل يملأ فمي : أين ترى يكمن ذلك الخطأ؟

والرمل انسرب من روحي.

كل متعة انسحب منها الخيط الرفيع غير المرئي الذي يعطيها اسمها.

وأنا . الجالسة في الكرسي الخالي أراقب ما يحدث. ولا أفهم شيئا. لا الكلمة ولا المتعة ولا اللحظة - ولسوء الحظ ، إمعانا في سوء الحظ - ولا اليأس.

كيف تتحرك كل هذه الطواحين في رأسي في الوقت نفسه؟

كيف لا أموت ببساطة كما ينبغي؟

كيف أستمسك بخيط الحياة بهذا الدأب المقيت؟

جئتَ تبحث عن فرح أكثر. وجئتُ أبحث عن حزن أقل. فضيعنا نقطة التقاطع.

كل شيء في رفه المرتب.

لم تبحث عني. وكان حلمي فضفاضا.

لم تنتظرني وجئت كما لا أود.

كذبتَ وصدقتُ.

هكذا تسير الأمور في الحياة. هذا هو الكبَد.

 

أرى اسمك:

اسمك جرح مفتوح.

روحي معبأة بجراح مفتوحة.

معبأة باسمك.

أنوء به كصخرة

يثقل لساني ولا يلفظ

يثقل صدري ولا يخرج

يثقل الجرار ولا يرشح

اسمك الثقيل الثقيل

أين أضعه؟

أين يضعني؟

أنساني فيه. في ذوقه وذوبه وشلال الدم الهادر من انفتاحه المباغت، رمح الخيانة في أوله ودوامة اليأس في آخره.

كلما أفلت زمامه قلت: هكذا ينبغي أن يكون الاسم.

كلما أفلت زمامه استعدوا علي الكلاب وأطلقوا السلاسل.

كلما أفلت زمامه تذكرت مرة أخرى وأخرى أنه ذهب.

أنه بعيد. أنه ليس لي.

  

أرى اسمك:

هذا الاسم ،يتردد في  داخلي كالنبض، لا برتابته بل باستمراره الأليم الممض،الذي يذكرنا بأنا مازلنا أحياء رغم كل السكاكين المشحوذة الجارية بكل يسر في لحمنا.

وأهذي به،بالاسم، بالسم ،الترياق، التعويذه، التميمة،النبض،الشوق الجارف لتذوق حروفه،حرفا حرفا ، ولمسها ،وعبادتها، كأي صنم ، نحمله على ظهورنا ، لنعبده، أينما حل.

الاسم  لا يمد حروفه التي أعبد ليضمني، ويجعلني أتشبت بها لأنفصل عن العالم  الأرضي المتناقض .

الاسم لا يحميني مني ومنه و من العالم ،مهما رددته تميمة  ، و لبسته حرزا

  لم يحمني الاسم الذي تقت اليه.

و الاسم ليس لي .

وأنا لست للاسم.

و كل هذياي يرتد إلي خاسئا و هو حسير.

 

أرى اسمك:

أعرف ولا أصدق أن كل هذا النداء المحترق الملهوف باسمك يذهب هدرا، ويغور في الهواء بلا معنى، ويحفر دربا مسدودا، أعرف ولا أصدق أن كل الكلمات التي تكتبني حرفا حرفا، التي تنغرس أطرافها المعقوفة في لحم قلبي تذهب كلها هدرا. أنها على رغم كل الألم الحي ميتة.كل الكلمات أسماك ميتة تحت شمس.كل الكلمات التي قادتني التي تقودني لا شيء.وكل هذه النهشة لذئب الكلمات المسعور: لا شيء.هدر.هدر.هدر.

هدير اسمه الزاعق في أعمق أعماقي:هدر.

الخيط الملتف كمشنقة رفيعة حول قلبي: هدر

كل شيء يذهب هدرا.

تراجع

 

نافذة الماسنجر وزر القميص

إلى شاعر "أموي"

عثَّرني زر قميصك.

أينما سرت..أتعثر به.

زر الكم..كم القميص الأبيض.

نعم هو..تذكرته؟

عثرني.

***

آه أيها العمر الخاطف

لا تكن قاسيا هكذا

مازال الحليب في صدري

والأشجار تتفرع في رئتي

وأنت تمر.

خاطفا هكذا

قاسيا هكذا

توقف قليلا لأحكي لك الحكاية

***

الحكاية:

عاش الملل الشرير في القلعة الحصينة

والبنت التي تتلصص عليه من ثقب الباب

سقطت

لما التقت عيناها بعينيه

سحبها الملل الشرير إلى داخل قلعته

ثم أدخلها في نافذة الماسنجر

 باقي الحكاية:

في النافذة واجهت البنت وجها آخر

تدق هي الزجاج

ويدق الوجه الزجاج

لكن كلا منهما يدق من جهته

لم يسمع أحدهما الآخر أبدا

فزجاج الماسنجر كان عازلا للصوت.

الخاتمة:

لم يكونا يعرفان ذلك. 

بيني وبينكم:

أرادت البنت لوهلة أن تخطو إليه, لولا أن تعثرت بزر قميص.

قديم. قديم.

***

حاشية غير مهمة:

آه ليس هذا

ليس زر القميص الذي تلبس عليه جاكت الجينز في الشتاء

لا. ولا زر القميص الذي أعدت كيه يوم أرسلت الرسامة انتظارها

ألا تميز أي زر؟

زر كم القميص الأبيض.

زر كم القميص الأبيض الذي كنت ستلبسه لما كنا سنلتقي في مطار السيب, لما كنت صغيرة فانتظرتك خمس ساعات من أجل صندوق الحلوى الذي وعدتني.

آه لم تتذكره؟

حسنا, زر كم القميص الأبيض الذي كنت ستلبسه لما انتظرتك في سفينة القراصنة في بر دبي ثلاثة أيام, لما سلمك القراصنة الكنز فسهوت عني.

لا؟...ليس بعد؟

طيب, زر كم القميص الأبيض الذي كنت ستلبسه في عمَّان, لما كنت ستأتي لتأخذني من الأريكة الخضراء القبيحة التي جلست عليها سبعة أيام.

تذكرت؟..آه هو, ذلك الزر

يعثرني.

تراجع

نهدهد الحجر

نهدهد الحجر.

صلابته يا حبيبي هادنت الروح. الحجر في الجهة الأخرى.

عيونه مفتوحة. ويتشقق. هل الماء يسيل من شقوقه دمع عينيه؟

يا إله السماوات, إني أعرف هذا!

أن تفتح عينيك وتغمضهما وترى الماء. الماء الرقراق, الماء الحاني, وأن يتفجر الماء من روحك, وأن يصبح جسدك كله ماء, وأن تنخلع عن ذاتك, وتكف عن رؤية الحجر متى انبجست فيك اثنتا عشرة عينا.

وأن يحملك الماء في جريانه إلى الآخر.

فتنبت أصابعك المن والسلوى. وتتوق لتطعمهما جائعا هو أنت في تجليك.

يغرقك الماء في جريانه فتتنفس بألف رئة.

يا إله السماوات! ألم يفرغ اسمي من لوح العاشقين المحفوظ؟

ألم يحمل حجري معوله ويذهب؟

فلماذا أرسلت الطير الأخضر ملفوفا في حرير النغمة؟

سيثبت اسمي على اللوح من جديد! ويقول: لا تخافي.

 وطء طير على زبد القلب الهش: ألا يكفي للخوف؟!

اصبع الساحر في قبعة الروح: ألا تكفي للخوف؟!

بخار الشهيق في زجاج الصباح: ألا يكفي للخوف؟

*****

سرنا الهوينى.

وتوازينا.

حبل الدمع موصول بين مقلة الطير وعيني.

ألم توشك أن تتعثر به حين توازينا؟

بل أوشكت أن تمشي عليه. متوازنا غير مختل.

وحبي, ساهرا تحت الحبل, يحرس توازنك.

 فلا تجزع.

إذا ما اختلت قدمك, لا هاوية هناك.

فحبي, ساهرا تحت الحبل, يعد لين الفرش ليحمي سقطتك.

لا تطوي حبل الدمع, فتجرح مقلة الطير, وتهدر عيني.

سر الهوينى.

لا تقف في المنتصف.

لا تسأل الحجر أن يبدو مصقولا.

علينا أن نهدهده.

ولله – إن شاء- أن يصقله, أو يذره.

********

أراك. أرى الفرشاة التي تلون أسماكي الراقدة في قاع البحيرة.

أراك. طفلا صارم النظرة ينقذ العصافير من شراك أصحابه. يكبر, فيصنع شراكا جديدة.

أراك, هذا الواقف كتلميذ معقود اليدين وحائر, بالقميص الأزرق والجاكت الأصفر متهدل على نحوله: أنت؟

أخلف قطن القميص ثوى الحجر؟

أم خلف زجاج النظارة؟

أم كنت تخفيه لينمو وحيدا في ثبات الصورة؟

 لم أعد أرى النظرة الحادة خلف زجاج النظارة, ولا اليدين اللتين أفلتتا من الفلاحة, ولا الجبهة العريضة مزدحمة بالكلمات, ولا انحناءة الجسد الخفيفة, رأيت الحجر.

ناميا بصرامة الأحجار, على يسار الأزرار البيض الصغيرة, الثابتة على بحر القميص.

ما هذا النقر الخافت؟

ليس خشب الكرسي خلفك, ليس الورق على الطاولة عن يسارك, ليست الساعة الفضية على المعصم, ليس أيضا صوت لوحة مفاتيح الكمبيوتر.

أنت وحدك, يالله, من يعلم ما هذا النقر الصاخب.

من يعلم كل الأشياء الخبيئة, التي لسوء حظوظ نفوسنا الضعيفة, لا نعرفها.

التي, لحسن حظوظ قلوبنا الهشة, نحس بها, ولا نفهمها.

أنت وحدك, جل اسمك, من تعلم, ما لا نعلم.

علمنا قليلا يا مولاي, قليلا جدا, بالقدر الذي نحتمله فقط.

فالذي لا نحتمله, لا نحتمله.

*********

أراك.

أرى الحجر.

أرى الكلام.

حميتُ الكلام, سهرت بجانبه, وحين أغشى عليه أوسدته قلبي وحين أفاق, حميته مني.

وذهبتُ.

خذ كل هديلي

ولكن

افتح باب القفص

دربني على نغمتك

ولكن ركز إصبعك

فأثناء التمارين

تنكسر أجنحتي

وأنت تحاول تشكيلها

لتمتد لظلك

********

احتم بكبريائك.

سأحتمي برشاش الماء المكسور.

أنا لم أر النافذة العالية, ولم أقف في النور بالقميص الأبيض في خط نظرتك.

لأن  انتهاكك ذلك فادح.

أتقدر قيمة مركب الورق في بحر حياة راسخ؟

أتقدر معنى أن تثقب سطح السفين الراسخ, من أجل مركب الورق؟

لكن مركب الورق ابتل, ابتل أكثر مما تحتمل روح جافة.

أنت قتلت النمر في صخور الأعالي.

أنت حشوت قلبه بالتراب, وألقيت جيفته للنسور.

**********

هذا ماء في كفي, وهذا أنت.

طير يحسو الماء

 رغم أن الماء قليل, ورغم أنه ليس طيرا أبيض.

********

واقفان تحت مسقط الظنون

منخلعان عنا فينا.

هل من كتف يسند شحوبي؟

********

لا تنسحب قبل أن أكمل الحكاية, فإذا لم تكتمل ونمت عطشانا على ركبة الحكاء, ستخرج روحك في الظلام لتشرب من أقرب جحلة.

وإذخرجت روحك, فإني أخشى أن تضل الطريق, ولا تجد العود.

وإذا لم تعد روحك إلى ركبتي, حيث رأسك النائم, ستكتشف في تيهها السر.

 الحكاء يحمي سره, ولذا يحذرك من النوم عطشانا.

وأنا, بدون تيه روحك في العطش سأخبرك بسر الحكاءين: لا توجد نهاية للحكاية.

هذا هو السر.

*****

ولا أراك.

أرى الصورة التي تدس الحجر. وأرى أصابعك وقد توقفت عن التمارين.

وأرى أصابعك قد غابت أسفل حد الصورة.

وأرى شهدا يسيل من أصابعي في فمك. وذراعي تأويك وتهديك وتغنيك. فلا تقهر يتمي, ولا تنهر سؤلي, وبنعمتنا, يا حبيبي, لا تحدث.

لا تحدث.

لا تحدث.

تراجع

 
الرئيسية
الكاتبة
الكتابة
الصدى
صوتك

 

 جميع الحقوق محفوظة للكاتبة ©