..  كل سعادة الانسان تكمن في المخيلة
 

 من نصوص المجموعة:

  1. أصابع

  2. المواضع غير المناسبة للأشياء الحقيقية

  3. تدريبات    

  4. جَمَل

  5.  قوافل

  6. مربعات

  7. مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل

  8. ملكة

  9. وظيفة

  10. يقين

أصابع

جاء الليل ، فجهزت منشفتها ذات الورود الصفراء الباهتة وصابون " لوكس " أصفر ، وفتحت الصنبور ثم انهمكت في إشعال شمعة بينما البانيو الأزرق يمتلئ بالماء.

حذرها مرارا من إشعال الشموع في الحمام وشكا مرارا من قطع الشمع المتناثرة ، لكن طعم المرارة لشكواه وتحذيره - الذي يتحدر فيها ببطء كبقايا قهوة ثقيلة في كوب - كان قد غادرها الان ، لقد بات الوقت متأخرا جدا بالنسبة لحديث كهذا .

حين يبدأ الماء بغمرها - وهو بارد دوما - لا تتمالك ملاحظة بقايا حبر يسيل من أصابعها .. نبهها مرارا إلى غسلهما بمحلول خاص ، وثار بعنف ذات صباح حين لاحظ آثارا زرقاء على دشداشته المكوية ، ولكن الوقت كان متأخرا بالنسبة لثورة كهذه .

واجهتها معاجين الأسنان نصف الفارغة ، وعلب صابون ومطهرات ، حين أصبح العالم شديد الشحوب أغمضت عينيها ، ثم رفعتهما صوب السماء ، ليس ثمة سماء ، هنا سقف متقشر الصبغ ، فكرت : إن الرطوبة عالية في مسقط ، وذكرتها الرطوبة بملابسها : القميص الأبيض والتنورة الكحلية ، كيف التصقا بها في ذلك الجو الخانق ، ما كان أنسبهما لتلميذة في الثانوي .. يجب غسلهما الآن .. الغسالة متعطلة منذ أسابيع .. ولن يجفا في هذا الجو .. لقد كان الوقت متأخرا بالنسبة لتفكير كهذا .

خبطت بقدميها قليلا فصنعت دوامة مائية صغيرة ، حاولت تجاهل العروق الخضراء النافرة من أسفل القدم حتى أعلى الساق ، لكن اكتشاف انتفاخها كان قد سبقها ، كانت قد تكتلت في كتل ملتوية أسفل الركبة وبداية الساق .. ألح صوت الطبيبة عليها : " لا تنسي لبس المشد طوال اليوم .. بإمكانك إزالتها بالجراحة لكن المسألة مكلفة " ، حين ذكرت عرضا - كلام الطبيبة بشأن الجراحة ، صرخ غاضبا :

" عملية ؟! .. هذا والله ما كان ينقصنا .. من أجل جمال ساقي المدام نبيع الضواحي !

كان يعرف أنها لا تفكر بالجمال ، كان يدرك أنها تتألم ، وتقوم قبيل الفجر أحيانا لتضع على قدميها الكمادات ، لكن الوقت كان متأخر ا بما فيه الكفاية للحديث عن الألم .

غمر الماء رأسها ، تمنت لو تسللت بعض القطرات إلى الداخل لتذيب صور الأصابع العالقة هناك .. من الصباح إلى ما بعد الظهر واقفة وحواسها لا تستقبل إلا الأصابع : بيضاء وسوداء وسمراء وحمراء .. طويلة ورفيعة وقصيرة وسمينة .. خشنة ولدنة ..مجعدة ومشدودة .. أظافر طويلة ومقلمة ومعقوفة ومستطيلة .. نظيفة وقذرة ، الجلد المتقشر حولها ، الطلاء المتنوع الألوان ، الأوساخ السوداء تحت ظفر الإبهام ، العقد المتورمة للأصابع ، أصابع صفراء حريرية ، أصابع متشققة .

وإصبعاها يمسكان كل إصبع : الحبر أولا ، ثم طباعة البصمة في المكان المخصص ، ثم الإصبع الأخرى .. أصابع مشوهة وجميلة .. متناسقة وبغيضة .

يحدث أحيانا أن تستقبل أذناها بعض الكلمات المبهمة .. تفكر أن تلك لغات أخرى لكن الوقت كان متأخرا جدا لترفع رأسها و تنظر إلى الوجوه والكلمات .

الماء يدخل عينيها ، يضبب الرؤية ، تختفي المعاجين وعلب الصابون ، أصابع غليظة .. دقيقة .. يبدأ الشمع بالتكتل على الحافة الزرقاء ، حين اشتدت آلام الدوالي طالبت بنقلها إلى فرع آخر لا يتطلب الوقوف الطويل، وحين رفض الطلب وبدأت تحدق في إعلانات الجرائد كانت تعرف أنها تغامر باليأس : " خبرة عشر سنوات .. عمر لايزيد عن .. شهادة جامعية .. دورات كمبيوتر .. شروط أخرى .. لمزيد من التفاصيل .."

بنمو الأيام كان هناك كلام ينمو كنبتة خضراء كريهة ، كعروق نافرة ، لكنه ينمو للداخل ، كان لا بد أن يقال ، أن يخرج ، ولكنه قال قبلها ، دائما يقول هو ، وفي تلك المرة الأخيرة ذكرها بالديون وفواتير الكهرباء والماء " الذي تهدره في حمامها اليومي " ، يتكلم وهو يحرك يديه ، لم تتمالك ملاحظة أصابعه : نظيفة ومتناسقة كأنها منحوتة .. كانت كل ملامحه متناسقة كأنها منحوتة ، كأنها منحوتة من تلك الأحجار الصلبة التي نسيت أسماءها الآن .. كان الوقت متأخرا جدا لتذكر كل ذلك .

تراجع

المواضع غير المناسبة للأشياء الحقيقية
 

في الدروب الضيقة انطلقت كأي رصاصة ، وعبر نافذة زرقاء نفذت كأي ضوء ، وقبالة سريره المفروش بالأزرق جثمت  كأي قطة.

ظن محضرها الصباح ففتح عينيه ، وحين رآها ممتزجة بالغبش تثاءب ، وقال في ضجر:"أنت؟"

  قالت برنين كأي فضة :"أنا"

-   كيف جئت ؟ ولماذا؟..لم أعد الطفل الذي يمسك طرف جلبابه بفمه ويركض حافيا في الطين..هذا مشهد لن تريه أبدا..ماذا تريدين؟

-  ماذا أريد؟!..ألست جاريتك؟..ألا أتبع سيدي أينما ذهب؟..أي طفل وأي طين؟..أنا لك يا مولاي.

  تمطى قليلا ثم ابتسم.

اقتربت بهدوء كأي يمامة ، فشمَّت عطرا ثمينا عوقِبتْ من قبل بسببه ، وكادت أن تعلق في جذوع النخل حين دلقت منه قطرات غير عامدة ، دفعت الثمن بجلدها بضراوة رغم أن نفاسته لا تشاكل الأثمان.

لمَّت ثيابها عليها كأي مجلود ، وحين لمح انتفاضها القديم عدل عن الابتسام..

رفع حاجبيه:"ألم يحرركِ الوقت؟"

ردَّت:"كم سيدي؟..ثلاثة أشهر؟..أربعة؟..عشرة؟..يالسخافة الزمن حين لا يعني مروره شيئا.."

فكر إن أسرها مرهق ، قال:"حسنا ،اذهبي، إني أعتقك"

قالت كأي مأخوذ:"لا يا سيدي ، أنت تمزح.."

ضحك:"هزله جد ، وجده هزل، ألا تعرفين أني لا أقول غير الصدق..لا شيء غير الصدق..أنت عتيقتي"

 قالت بيقين كأي راهب:"أخشى يا مولاي أن الوقت قد فات ..فقدماي لا تدبان على غير هذه الدروب ، ويداي لا تعرفان خرائط أخرى ، وضفيرتي لا تطول - كما تحب - إلا إذا غسلتها مياه هذا النهر ..

لا يا سيدي ..ليس بوسع الجدول العذب إلا أن يصب في البحر ولو كان مالحا،  ولا بد للأشجار أن تنمو في تربتها ولو عشق صاحبها الفئوس ، ولا تملك طاقة الزهر البيضاء إلا أن تكون بيضاء ولولم يرها صاحبها كذلك ، لا يا سيدي إني لك"

  فكر بلذائذ التعذيب :"ليس لغيري أبدا؟"

  أجابت ببطء :"إننا لا نعيش مرتين سيدي"

كان قد تركها من قبل كأي طفل يمل لعبته القديمة ، وهرب ، وأدركته ، قصوره تهديها دون سؤال ، فكر بلذائذ القوة والتجاوز:"اسمعي يا قمري الوردي..أنت مخلصة لا شك ..لكني أعشق جارية أخرى ..أنت جميلة لا ريب..لكنها أجمل..أنت حارة لا جدال ..لكنها متوهجة حارقة..أتفهمين؟"

  أجابت وهي تقترب أكثر والعطر يلسع آثار الجَلد:"لا يا سيدي"

اهتز شاربه - وقد بدا مصبوغا بغير عناية - :" ربما أردتك في لحظة ما لكني لا أحبكِ الآن.."

  قالت كأي متبتل:"أعرف سيدي"

  صرخ:"لم أحبكِ أبدا.. أبدا.."

  قالت وهي تحاول إرجاع رأسه الغاضب إلى الوسادة :"قلت ذلك من قبل سيدي"

   فرك بإصبعيه جبهته حتى احمرَّت.

   زفر:"ماذا تريدين؟"

   قالت كأي دهش :"إني لك سيدي"

  صاح :"إني أعتقك"

  نكست رأسها :"لا يمكن ..إني لا أعود إلي"

  زمجر :"إني أطردكِ"

  لم ترفع رأسها :" مستحيل سيدي ، إن قيودي سرمدية "

  أمسك كتفيها بعنف والتمعت في عينيه القسوة المعهودة:"سأحملكِ للخارج"

  رفعت رأسها :"لن تستطيع سيدي ..غصني ثقيل"

  ارتمى على فراشه:"يا إلهي ..لا أصدق"

  أزاحت أصابعه عن رأسه :"استرخِ سيدي لدي عمل كثيف"

  أغمض عينيه، قالت:"نعم ،هكذا أفضل"

أخرجت من طيَّات ثيابها شيئا صغيرا معقودا بدقة ، فكت عقدته ونثرته على وجهه ، تقلصت ملامحه قليلا ثم سكن.

رفعت أكمامها حتى المرفقين ، لقد مارست عملها هذا في الحلم طويلا حتى أتقنته.

ركزت أصابعها الخمس الباردة على حواف العظمة المجوفة حول عينه اليمنى ، ثم انزلقت بسرعة إلى الداخل ، قبضت على اللزوجة بإحكام ثم انتزعتها بقوة.

أخرجت من طيَّات ثيابها فوطة صغيرة نظفت بها الدم ، ربتت على أهداب العين اليسرى وتركتها نائمة ، ثم أخرجت من طيَّات ثيابها مقصا صغيرا ، جذبت أذنه اليسرى الصغيرة وقصتها بأناة ، نظفت الدم بالفوطة ، ربتت على الأذن اليمنى وتركتها نائمة.

أخرجت من طيَّات ثيابها مطرقة صغيرة جدا ، قوية جدا وسكينا حادة ،فتحت فمه ، أزاحت شفته بالسكين ، طرقت السن الأمامي ، تركت المجاور له وطرقت الثالث ، تركت الناب وأخرجت من طيَّات ثيابها مفكا صغيرا قويا ونزعت الضرس ، تركت الذي يليه ونزعت الآخر ..واستمرت بكل نظام حتى أتت على الفكين العلوي والسفلي ..مسحت الدم بالفوطة ، لو رأى دقتها غير المعهودة لدهش.

أمسكت بيده اليمنى ، كانت شعيرات صغيرة قد نبتت بظاهرها لم تعرف عددها بعد ، قطعت الإبهام بسكينها الحادة ، ثم الوسطى ثم البنصر ، نظفت الدم بالفوطة ، أرقدت يده اليمنى كعصفور في يدها الباردة ثم تركتها لتتجه إلى قدمه اليسرى ، قطعت أصابعها بالنظام نفسه ، مسحت الدم بالفوطة ، ثم دلكت قدمه اليمنى وتركتها نائمة .

جمعت كل شيء ، لم يشمل الحلم المواضع المناسبة لكل هذه الأشياء.

دائما كانت أشياؤها الحقيقية في المواضع غير المناسبة.

جثمت قبالة سريره المفروش بالأزرق والأحمر تنتظر استيقاظه.

أين تذهب؟ إنها له. 

تراجع

تدريبات

على شاشة التلفاز القاتل يوشك على الهرب ، يكسر النافذة ،يقفز..

خارج الشاشة عشر عيون تتسع ، خمسة أفواه تفغر ، وخمسة قلوب تضرب كأنما وضعت تحت أقدام القاتل..

وخارج الشاشة أيضا عينان ضجرتان ، وفم مقفل على كلام مزدحم ..قدم دقيقة تدق الأرض بعصبية ، وأصابع صغيرة تنقر على الطنافس.."لا فائدة يا أسماء"..قالت لنفسها.."لن يستيقظوا أبدا"..

سيارات الشرطة تلاحقه ..يختبئ في الأزقة ..يتسلق بعض الجدران الواطئة ..

-"سيمسكونه يا أمي؟"

- "آه.."

- "سيمسكونه.."

- "اسكت"

- "هل سيقبضون عليه يا أبي؟"

- "اخرسي"

عشر عيون يزداد اتساعها..وعينا أسماء تتنقل بينها بيأس.."متى سأقول له؟"..أخذت تعبث بضفيرتها..تحل الشريط الملون في طرفها ثم تعيد ربطه..تضع الوسادة في حضنها..تقذفها ..تجلس عليها.."الآن سأقول له"..

اقتربت منه ..عيناه بلا لون..إنهما مزيج من ألوان الشاشة..قبضته الكبيرة ترتفع فجأة لتهبط ثانية ..الشامة السوداء على خده الأيمن بدت أكبر..ابتلعت ريقها .."تلك الحلاوة"..قالت في سرها "سأقول له الآن.." ..حاولت أن تقترب منه أكثر..رقبته كأنما طبقات يعلو بعضها بعضا..انتفضت ..تسللت فجأة من باب الصالة المفتوح إلى الحوش ..

نظرت إلى السماء وتنفست بعمق ..قالت:" لا داعي لذلك يا أسماء ..قالت المعلمة الحلويات تسوس الأسنان.." همت بالرجوع..تراجعت ..رفعت رأسها للأعلى..الغلاف الأحمر الزاهي ينفتح شيئا فشيئا بصوت بهيج..ثم يظهر طرفها البني..رأس الحلاوة المغطى بالجوز..مدت أسماء يدها الصغيرة فلم تقبض شيئا ..دقت الأرض بعصبية:" أف ..أف..سأقول له :أبي..أريد مائة بيسة لأشتري الحلاوة"، تنفست بعمق..ضحك الأرنب المرسوم على قميصها..غضبت.." حسنا ..سأقول له:أبي لو سمحت اعطني مائة بيسة"..ابتسمت ..ودخلت الصالة بثقة..

القاتل ينهار باكيا..الشرطي يضع الحديد في معصمه ..يركله بعنف.. يتعثر..

ارتخت قبضة أبيها ..تسمع الآن صوت أنفاسه أكثر انتظاما..

ارتطمت يدها بالكوب الفارغ بجانبه..صاح دون أن يلتفت:"اخرسوا ..سيقتلونه.."

شفتاها الدقيقتان ارتجفتا..الغلاف الأحمر الزاهي ..اللون البني البهي..بعدما تقضم القضمة الأولى يبدأ العسل بالتفجر في فمها..لعقت شفتيها..

خرجت إلى الحوش..دخل الهواء بكميات حرة إلى صدرها..

فتحت فمها:"أبي ..لو سمحت أريد مائة بيسة"

غمز الأرنب بعينه..شدته.."اسمع ..في كل مرة يقول غدا..ليس الآن ..لا يوجد عندي..مشغول..اليوم سألح ..أريد الحلاوة المغطاة بالجوز..سأقول له:أبي اعطني مائة بيسة..سأغسل أسناني بعد أكلها"

نط الأرنب ..رفع أذنيه الطويلتين ثم ضحك..

"سترى ..سترى..هكذا:أبي لو سمحت..لا..لا..أبي أرجوك اعطني..لا..لا..أبي أرجوك أريد مائة بيسة.."

زفرت بعمق..عاد الأرنب إلى القميص وأغلق عينيه.

دفعت الباب بهدوء..دخلت الصالة..

عشر عيون متسعة..خمسة أفواه فاغرة..

يحفر نفقا سريا ويهرب..قوته أسطورية ..يركض في الشوارع المظلمة..يدخل بيتا مهجورا ..

أسماء تحك فروة الأرنب النائم على صدرها..تقف قرب أبيها ..

تفتح شفتيها..يخرج من بينهما هواء..

تجثو على ركبتيها..رقبته طبقات غليظة ..قبضته كبيرة كبيرة..الشامة السوداء على خده تتمدد..تفتح أسماء فمها الجاف..تغلقه..

تقعد أسماء على الوسادة ورأسها على ركبتيها المضمومتين…"حسنا..قالت المعلمة إن الحلاوة غير مفيدة"

تراجع

جَمَل

" فإن رأى جملا يصول عليه أصابه حزن أو مرض أو خصومة "

                                                                ابن سيرين

جمل ضخم هائج ، يقترب مزبدا مباعدا بين رجليه الأماميتين ، ما ونى يهاجمه منذ الصباح ، أنى التفت فهو آتيه من بين يديه ومن خلفه ، يقترب حتى يضطر الشيخ إلى إغماض عينية هلعا ، فينهض مثيرا الغبار من اللون البرتقالي داخل جفونه المغلقة وينقض .

فر إلى مجلسة المظلل أمام البيت ، ولولا الوقار يؤده لجرى ، كالعادة كان كل شئ قائما : الوسائد ودلة القهوة والفناجين و " مبارك ".. قال وهو يهز الفنجان دلالة على اكتفائه : " ما أخبار عرسك ؟ " .. تجرع مبارك : " زينة .. " .. قهقه الشيخ : " أدب الحرمة بالحرمة ، وإن طولت الثانية لسانها أدبها بالثالثة .. " .. قطع الحديث صوت    " سويد " اللاهث : " السلام عليكم ، صبحكم الله بالخير يا الشيخ " ، رد السلام ودعاه للقعود ، فرفض وعيناه المترجرجتان أبدا تلمعان بمكر : " لا والله .. قبل أن آخذ بشارتي " ، قال مبارك : " بشارة ماذا ؟ " .. أخرج من جيبه ظرفا أبيض وصاح : " رسالة من ولدك " علي " يا الشيخ من كندا " ، كان يضغط على الحروف بفخر لا سيما حروف " كندا " ، أشاح الشيخ بوجهه وقال ببطء : " روح في شغلك"، لحس سويد شفتيه ، جثا على ركبتيه مادا يده بالرسالة ، قال وقد أفلت للحروف من ضغطه - : " ولو يا الشيخ .. أنفك منك ولو خاس ، ويدك منك ولو شلت " .. بدت عروق يده زرقاء نافرة وهو يزيح يد سويد من أمامه .. ليست يده التي ترضى الشلل ، هذه التي نحتت تفاصيلها البنادق والبيارق وصخر القلعة المنتصبة بمواجهة بيته منذ نصف قرن .. سقطت الرسالة على الأرض وركض منها جمل فاقع الاصفرار .. نهض سويد واستدار مبتعدا .. وشمخ الشيخ كبرج عريق فيما حاولت قطرات صغيرة غسل عينيه .. قالت القطرات : " ليس "علي" فقط حتى" أسماء "الآن تنسى دلالك " .. أسماء تأخذ من ملامحه يوم ما كان يعوزها الترميم .. بها ملاحة  لا تكتمل إلا حين ترفع رأسها وتتكلم ..بالأمس قالت وهي تغرس حقنة الأنسولين في لحمه : " أبي ، في هذا البيت  لا توجد ديمقراطية ، الديمقراطية ترتقي بالشعوب والبيوت أيضا .. " .. هكذا حديثها دوما يأخذ من صرامة حديثه .. حدجها بنظرة أسكتتها ، وحين نهضت لاحظ أنها ما عادت ترتدي الدشداشة بل تزج جسدها في الفساتين والتنانير .. صاح : " بنت .. " ثم داهمته موجة سعال ، استغلت أسماء لهاثه بعدها لتقول : " حتى ولو .. لابد أن نفكر .. " لم يسمع بقية حديثها القاطع .. فقد قفز من عينيها الواسعتين جملان مخيفان اقتربا منه ببطء ، ما علم قبلا وهو المتمرس أن للجمال هاتيك الأخفاف الضخمة المتأهبة للسحق ..فتح عينيه وقد كفت القطرات عن محاولتها ، فأبصر مباركا ينظر إليه ببلاهة .. سأله كمن يستكمل حديثا قد انقطع لتوه : " وأين مسعود وحسن والجماعة ؟ " ، اعتدل مبارك :" منقطعين عن المجلس من أيام .." ، ما كاد يتم جملته حتى أقبل مسعود فسلم ، قال الشيخ دون أن يلتفت إليه : " ما شاء الله يا مسعود .. مشغولين كثير .. كل واحد منكم من طور سيناء أكبر .. ما أحد يقدر يكلمكم .. ما شاء الله".. بادر  يا مسعود بالاعتذار : " ما عاش اللي يستغني عنكم يا الشيخ .. لكن تعرف .. الشغل والنخل والأولاد " ، هز الشيخ رأسه .. وقد بدت قدمه المتورمة من أثر السكري وكأنما تخزها عشرات الأشواك .. منذ سنين ذابت كحلم راوغت هذه القدم الرصاص في حروبه مع القبائل الشمالية ، وما وهنت وما استكانت ، أما الآن فتجاسر عليه الألم ضاريا حتى أمضه .. قد أدرك مبارك ذلك ولكنه لم يجرؤ على عرض المساعدة ، فأخذ يتململ كأن الموجوع هو ..

يبدو أن مسعودا كان يتوقع المزيد من الاستهزاء والتعنيف .. فتنفس الصعداء حين سكت الشيخ ، وما عاد بحاجة إلى ترديد الكلمات الغاضبة التي تدرب عليها أمام أخيه حسن بالأمس .

إذن فقد تسيَّد الصمت ، وقد يكون له معنى وقد لا يكون ، وهذا ما حير مباركا الذي ظل موجوعا يتململ .

             ****************************************************** 

أمام المرآة واقفة ، تهز رأسها بلطف فينثال شعرها كليل ، تلفه وتثبته بشكل مدور ، ثم تعود لتنثره على كتفيها وظهرها .. نعم ، لقد عكست المرآة هذا الحسن ، ولكن يوشك أن يفقد بهاءه كقارورة عطر تراق .. عيناها النجلاوان تتسلل إليهما الكآبة كما يتسلل الغبش إلى دغل منسي ..

صرَّ الباب قليلا ثم لمحت الشيخ في المرآة ، لم تلتفت بل انهمكت في تكحيل عينيها ، اقترب ..لها عطر خفيف ما انبثق ليخترق الروح بل تهادي ليلمسها ، نظر إلى ملابسها المطرزة بتساؤل ، قالت وهي تفتح غطاء " البودرة " : " الليلة عرس أختي .. هل نسيت ؟ "

 عيناها الجارحتان .. تلمعان في المرآة كما يلمع خدها البض .. يا الله ما أطولها !.. هذه نخلة أصيلة .. مهما يقذفها لا تطرح إلا أجود التمر .

ما كانت المرآة عادلة : تمنح جبينها البهاء وجبينه التغضن ، شعرها الحرير الأسود وشعره الصوف الأبيض .. هذا الليل السائل يتموج كلما بدرت منها حركة .. راوده شموخ الأبراج ..شرعت ترتدي لحافها المشغول بالخيوط الذهبية .. الخيوط التي تنفلت وتلتف حوله ببطء .. ولكن بإحكام .

قذف بأحمر الشفاه على الجدار ، تقوس حاجباها وهي تلتفت صوبه ، صرخ : " لا ذهاب إلى العرس " ، ارتسم خط رفيع أحمر على الجدار ، عيناها الجارحتان ومضت ، ثم مضت بهدوء تخلع لحافها المشغول وقد ارتدت إليه خيوطه - ، أقراطها ، أساورها .. ما نبست .. نخلة أصيلة .. من تحت منضدة الزينة تسلل جمل صغير بهزء كبير .. راوغ الشيخ حتى أسرع بالخروج ليصطدم بأسماء المتصلبة على الباب .. آه الحضن الذي كان له يخزه بضراوة .

                    **************************************

في حجيرة ملصقة بجدار البيت الخلفي هرع مبارك إلى " فرحة " ، وفرحة ليست نخلة بل امرأة تغص بالغيرة على الرجل الذي أحبت .. أغلقت الباب دونه ، فظل يستعطفها حتى وهن صوته ، أني يفهم قلبها المنكأ أن رجلها عبد مأمور حتى قلبه ..   هام على وجهه .. تحت جدران القلعة رأى سويدا يترنح .. اقترب سائلا " إلى أين ؟" ، رد سويد : " إلى الزار .. ما تذهب ؟ "

ساهما قال : " ما أعرف .. "

ابتسم سويد حتى بدت أسنانه الصفراء : " بعدها بنت رشود لاعبة برأسك "

تنهد مبارك : " ما رضيت تكلمني "

صاح سويد : " تدق برأسها في الجدار .. خلِّها وامشِ مع حرمتك الجديدة .."

ثم ترنم بصوت عال رجعت صداه جدران القلعة : اللي يودك وده ، واللي يبغيك ابغيه ، واللي يضن بروحه ، شوري عليه ادعيه .. "

هزه مبارك : " أنت ما تفهم شيء "

قهقه : " أنت اللي تفهم.. امشِ تذلل لها .. هاها .. والله الشائب عنده حق .. ما تعرف تؤدب الحريم .. "

فغر فاه : " الشائب ؟! .. كف لسانك عن سيدك "

احتقن سويد بالبغض ، تكلم من بين أسنانه : " سيدك أنت "

انقض مبارك على كتفيه : " أنت تنكر أفضاله لكن الشمس ما تغطيها كف .. من اللي آواك بعد ما طردتك قبيلتك ؟ .. من اللي علمك السياقة وأصبحت سائقه وعاملك مثل ولده ؟ يا الجاحد .."

قاطعة سويد : " ويقول لي عندما يغضب وسط المجلس أمام الناس : " يا دجاجة " .. ماشيء إهانة تلحق بالرجل أكثر من هذه .. "

-        " لأنك تأتيه سكران .. "

-" لو عندي فلوس أشتري خمر .. "

يده في جيب سويد قابضة على الزجاجة : " عندك .. وتشتري بها هذا العطر الرخيص تتجرعه أنت وأصحابك " .. يكسرها لتتناثر الشظايا من جدران القلعة ..

دفعه سويد بقوة وأخذ يزأر : " ذليل .. ضرب أباك بحبل تحت الشمس حتى كاد يموت .. باع أختك من ثلاثين سنة ما تعرف عنها شيء .. حتى أنت .. يؤدب حرمتك بتزويجك لأنها رفعت صوتها على حرمته .. أنت عبد جبان ..ذليل .. "

احتل الجفاف حلق مبارك ، أهوت قبضته الغليظة على وجه سويد وهو يصرخ : " أنت سكران " .. دارت مقلتاه في محجريه ولم يتحرك .. تحشرج : " أنت راقد ..راقد " ابتعد مبارك مترنحا ، الآن هو السكران ، هذه الأشياء التي تفجؤ الروح لتشرخها لا تحدث كثيرا في حيوات الناس .. وقد لا تحدث أبدا .. تتقوض جدران القلعة .. تطير النخيل في الهواء كريش .. في انشراخ الروح تتبعثر كل الأشياء في قعر الظلمات ..

                *************************************** 

سويعات وتجلى نجوم الفجر الغبش ، التمع " نجم البقارات " * في السماء الصافية ..كان مبارك مرتميا تحت جدران القلعة ..فتح عينيه المحمرتين على جلبة خفيفة ، فتراءى له شبح يمضي مبتعدا من بيت الشيخ ، يحنى ظهره حمل ما .. توفز مبارك ,.. تمتم : " لص .. " هم بالصراخ والملاحقة ثم خنس .. قد يحمل سلاحا الأفضل أن يتبعه عن بعد ليرى أين يؤوب .. احتفظ مبارك بمسافة ضافية بينه وبين الشبح ورجح أن حمله هو كيس أرز صغير ..تفتقت ذاكرته عن صور من طفولته وهو يسرق التمر والدجاج من المزارع المجاورة .. توقف الشبح أمام بيت العجوز "مطيرة " فباغتت مبارك الدهشة ، تقهقر للوراء وهو يرى الرجل يزج بكيس الأرز في فتحة الباب الخشبي ثم يستدير مبتعدا فينعكس للحظة ضوء ما من بيت مجاور على جبهته المتغضنة المبللة بالعرق..انتفض مبارك وتعثرت حروفه كقدميه : " الشيخ . . الشيخ .."

يسقط مبارك في دوامة الذهول ، وتستيقظ في مسامعه همهمات الصبيان وهم يتقاذفون الكرة : " مطيرة الساحرة .. ما تخرج من بيتها ، ويهبط لها أرز وسكر ، مطيرة الساحرة تطير وتسحر " إيه يا مبارك ..ما أبصرت عيناك غير الطريق الواحد ، واليوم يفجؤك السؤال .. ما أقساه إذا ينبت بغته ، وإذ تلفي نفسك في المفترق . . أو دروب أخرى غير التي رأيت ؟ .. دائما كانت ، ولكن ما خامر الضوء عينيك غير الآن ، أفأبصرت ؟ .. إيه يا مبارك .. كل هذا العمر ولا تفهم ؟ .. أنت الآن أشد جهلا مما كنت ، غير أن الحيرة تلمست الطريق إليك ومتى ما طرقت بابك فإنه لا بد مفتوح .

                ********************************** 

كان الشيخ يحتسي قهوته وهو يحاول معرفة قبيل الأحداث من دبيرها .. لقد تسارعت الأيام كنبضات قلبه المجهد .. لم ير أحد سويدا منذ ليلة الزار التي رقص فيها على الجمر حتى فقد وعيه ، وقفلت العروس الجديدة لمبارك   - الذي حفته الشائعات إلى بيت أهلها ساخطة ، أما مسعود فقد زوج ابنته من أحد شباب القبائل الشمالية مما يؤكد وقوع فضيحة دفعته لهذا الزواج ..

 غاص الشيخ في فكره يقلب الأحداث ، لقد التزمت نخلته الأصيلة الصمت .. تجذرت في البيت لا تبرحه كأنما زرعت من عشرات السنين ..

لما تزل بقايا القهوة في فنجانه ، ولم يزل الفنجان بين أصابعه مذ شدهت عينيه الصورة على سطح الفنجان ، تلك المرسومة بدقة والموشاة باللون الذهبي : قافلة .. جمال يتبع بعضها بعضا .. لم ترتعش أصابعه حتى عندما بدأت الجمال تتحرك بتؤدة .. تدور مع استدارة الفنجان . .

احتواه استسلام غريب ، هبط على روحه كسكينه مفقودة .. الروح التي حسبها مثقلة ، كم تعوي بها مساحات الفراغ الشاسعة الآن ..

انفلت الجمل الأول من الفنجان ودب على الأرض ، تضخم ملامحه ..تلك الملامح القريبة منه دائما .. المخيفة .. الوديعة .. الملامح التي تناديه ..

انفلتت بقية الجمال لتلحق بأولها ، تضخمت وسارت بنظام دقيق لتستحيل الفرش من تحتها رمالا ناعمة وحارقة .. عند ذنب آخرها كان الشيخ يتعثر ، ويعرق ، ويحترق ، إنه منقاد ، إنه مسحور ، إن القضاء يناديه ولا بد أن يجيب . .

جاهد ليركض .. ليعتلي أحدها .. ولكنها نجيبة ، واعتلاؤها طقس شباب بائد .. تمسك بسنامها .. بطنها ..ركبتها الغليظة .. تعفر بالرمل .. اغبرت لحيته .. حين انفلتت أصابعه كانت أخفاف  كثيرة تسحقه لتواصل القافلة سيرها .


*نجم البقارات " :نجم يظهر قبيل الفجر ، فتنهض النساء لحلب الأبقار .

تراجع


قوافل

يحكى والله أعلم أن فتاة من البادية تدعى ليلى العامرية قد أزجت تسع قوافل من الدمع الخالص نذورا وقرابين لأشياء غامضة ، وجرَّت مائة قافلة من القوافي الشجية المتمرغة في بيداء الحزن ، ومررت بين لطافة الحضور وكثافة الغياب ألف قافلة من الشجن المرِّ المستيقِظ أبدا في حرِّ الروح.

 أطلقت ليلى سراح كل كلمات العاشقات المعتقَلة ، زرعتْ لها أجنحة بيضاء وأطارتها سربا ما لامس شفة أو حبرا من قبل ، وحين ذابت آخر يمامة في خط الأفق اكتشفت ليلى أن القوافل لا تزال تغور على ظهرها .

فضحت  ليلى كل الأشعار التي طمرتها الرمال ، ورجَّعَتْ في إثر القوافل الغاربة كل ضروب الأسى المتوحش ، فرش صراخها المجنون طرق الساحرات ، فعلَّق قيس القبيلة شعرها خلسة تميمة سرية ، وأغلق على يماماتها المغارة غامسا أجنحتها المهيضة في روائح الشيح والقيصوم ، وفي أخريات الليالي تساقطت أناتها البعيدة قطرات من ضوء عرَّس على نورها بوردة .

دامت الأفراح والليلي الملاح ، وساحت ليلى في الصحراء ممسوسة معفَّرة ، ويحكي بعض الرواة سامحهم الله أنها شوهدت عند اكتمال القمر تركض كما خلقها الباري خلف الذئاب تزجي قافلة ما. 

تراجع

مربعات


 

سيرن منبه مزعج الساعة السابعة تماما فيستيقظ " جميل نمر " ويقفز من مربع النوم إلى مربع اليقظة ، في حيز المربع الجديد سيغتسل ويرتدي ملابسه ويدور حول المرآة ثلاث دورات للتأكد من جاذبيته ، ثم سيتعطر بعطر متوسط الجودة أو الرداءة ، وفي تمام السابعة والنصف سيكون قد انتهى من آخر لمسة في تلميع حذائه ، زوجه نائمة غالبا فيعد لنفسه بعض الشطائر الخفيفة ويشرب شايا بلا سكر ، لأن طوله 175 سم ووزنه 75 كجم ولا يمكن العبث بذلك ، في الثامنة إلا ربعا سيضع رجله اليمنى خارج باب بيته الأخضر دالفا إلى مربع جديد يقود فيه سيارته البيضاء إلى معهد العلوم الإدارية حيث يعمل .

في السادسة والنصف أو السابعة إلا ربعا أو السابعة قد تستيقظ " دنيا " .. ربما على صوت غناء شريكتها في السكن " عزة " المنبعث حادا مع صوت المياه من الحمام ، وربما على ضجة إطعام العصافير لصغارها في العش الآمن على نافذة الغرفة ، وربما لأن جسدها قد أخذ كفايته .. قد تتململ وتمطى وتستعيد أحلام البارحة ، وقد تفكر بالاستحمام بعدما تنتهي عزة وتنتهي المشاجرة اليومية حول ترتيب الفراش .. بعدما تزيح فقاعات الصابون تتأمل الماء وهو يسيل مشتبكا بخيوط النور المقتحمة من النافذة الصغيرة وقد تقرر أن فرشاتها قدرة على صنع ذلك في الورق .. ربما توافق عزة على كي ثيابها وإلا تلبس تلك التي لا تحتاج لكي .. قد تشرب القهوة بملعقة من السكر أو ثلاث .. قد تكتشف تأخرها فتركض إلى الخارج متأبطة حقيبتها ولوحتها الجديدة .

  في تمام الساعة الثامنة إلا خمس دقائق ستلتقط عينا جميل نمر كلمة " ادفع " على الباب الزجاجي للمعهد فيمد يده المتناسقة الأصابع ويدفع الباب .. في آخر الممر على اليمين سيوقظ باب المكتبة الموارب في أعماقه رغبة بالزهو ، فيطرق ثلاث طرقات سينتبه أثناءها إلى دقة تنسيق أظافره ، ثم يدخل مربع المكتبة وهو مربع ضيق . أمينة المكتبة خفيفة السمرة نحيلة كطيف ، كلما رآها تأكد فيه شعور عبورها ككل الأطياف ، قد تقف له بشهقة خفيفة ، وقد تتظاهر بغضب عالق من أسيجة البارحة ، سيحييها بالطريقة العادية إلى تضايقها فتهاجمه بعبارة شوق ، سيشعر أنها تضع قدمها على ضلع مربعه فيسارع إلى درئها عنه بإضافة " زاد " إلى اسمها " نيا " تدليلا ، وسيسارع بالخروج لتبقى تنهيدتها الأخيرة عالقة في أذنه في نصف الدقيقة بين باب المكتبة وباب فصله .

في اللحظة التي يدفع فيها جميل نمر الباب ليدخل الفصل سيشد قامته ويزيح مربعا صغيرا عنه ثم يبدأ درس بكل دقة ، سيبقى متحفزا لأسئلة الطلاب فقد يحمل أي سؤال هجوما مبطنا عليه ، وسيستخدم جميل نمر ذكائه في اكتشاف ذلك ، وسيخرج بأسئلة عديدة يصفها في هذا المربع ، كل حصة تستمر خمسا وأربعين دقيقة ، وفي الثواني الأخيرة من الدقيقة الخامسة والأربعين سيقفل حقيبته الجلدية ويمسح السبورة ، وفي الثانية المناسبة سيكون خارج الفصل وقد أزاح مربعاً عنه .

في جدوله الملصق بعناية على طاولته في غرفة المدرسين مساحات قليلة من البياض سيبادل فيها زملائه التحايا بإفراط مركز على عبارات الشوق والتفخيم ، فإذا ما فتحوا نقاشا علميا فشل في تجنبه سيشارك بأقل قدر من الكلام الموزون ، ليس لأن بضاعته مزجاة وإنما لأن الآخرين حتما يقصدون فحصها .

في لحظة ما قد تدخل دنيا غرفة المدرسين فتحيى الجميع ثم تتجه إلى جميل نمر وتصر على أن يصحبها إلى المكتبة لتريه لوحتها الأخيرة .. سيرفض ، ليس لأنه لا يودها وإنما لأن مربعها قد تمت إزاحته في الصباح ، ولكن دنيا لا تدرك أن لكل مربع مساحته المحدودة ، ولا يمكن أبدا أن تنسكب محتويات أي مربع على الآخر ، أو أن ينكسر ضلع ما بشكل فجائي أو أن يتخلخل ترتيبها ، وجميل نمر لا يمكنه إقناعها بنظرية المربعات ولا يمكنه ألا يغدو مرادفا لها ، هذا ما لا تفهمه دنيا فتصر في إلحاح على أن يأتي معها ، وقد تنجح أحيانا ..

في المكتبة ، يداها وهي تصنع له القهوة كيدي طفل طازج ، سيحلم جميل نمر أنه يأكلهما وستجيره على ملاحظة السكر وهو يذوب شيئا فشيئا من الملعقة الغاطسة بوضع أفقي في سطح الكوب .. سيراقب تعاقب الشوق والغضب والألم على وجهها المدور ، وستتراءى له الحالات المشابهة التي تعرض وسيتعرض حتما لها ، قد تبدو روحها معذبة بعمق وسيجد جميل نمر ذلك عذبا .. قد تقول : " سأخطفك .. " ، فيضحك ويقول بصوته المتفاوت العمق كأنه درجات عدة لنغمة ما - : " لن تستطيعي " .. فتقول : " إن قرصانا لي أكزما مخروما بحلق ذهبي واحد ووشم جمجمة على صدره سيخطفك لي .. وحين تصل إلى جزيرتي السحرية سأراك فأموت وجدا ، ويخبر القرصان شعبي أني تنازلت عن مملكتي فيدمرون عرشي الذهبي .. " .. سيشرب جميل نمر قهوته مبتسما ، وستعلق بعض قطرات القهوة الصغيرة بأطراف شاربه الطويل  وسيقول وهو ينهض : " تسرفين في قراءة القصص يا دنيا زاد " ، لن تنجح في استبقائه، وستغدو محاولة اختراقها لأضلاع المربع هرمونا للخطر ينبه جميل نمر وهو مستغرق في كتبة في السماء ، سينظر للسقف وكأن خيطا من ذاته يتدلى من الأعلى ، وسيعزم على تضييق مربعها ولو اختنقت سجينة فيه .

قبل أن يدلف جميل نمر إلى مربع النوم في تمام الثانية عشرة سيستمع إلى ثرثرة زوجه وسيفكر أن كلامها غير مترابط. سيرن منبه مزعج في تمام السابعة ، وقد تلح بعض صغار الطيور على مزيد من الطعام في عش نافذة ما .

تراجع

مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل


 

ذات ليلة:

" ياليتني أطيح طيحة وينشق راسي

وأظل شهر أداويه بالحل والياس

ويجيء الحبيب مثل الناس لا باس

ويغلط وينسى ويضع يديه في راسي "

-        لماذا لا يغنين أغاني أجمل من هذه يا أمي ؟

-        هكذا أغاني العرس .. عقبى لك يا بنتي .

-       

-        قولي آمين

-        لا اريد أن أتزوج من هنا .. أريده بعيدا بعيدا ..

-        دمه ليس من دمنا ؟ .. ناوليني الموز ..

-   جرحني مرة في إصبعي وكان دمي أحمر ، وتصاعد دمه مرة بقوة إلى وجهه وكان -ياللعجب أمر أيضا ..

-  تهذين ؟ .. كلي .. كلي .. يا رب يبني ابن عمك البيت بسرعة ونفرح بك ..

" شافها بين البنات ، خطفها سكر نبات .. "

-        بجد يا أمي .. أريده بعيدا ..

-        ياللفضيحة .. ماذا سيقول الناس ؟

-        ماذا ؟

-        سيقولون عشقته .

-        وإن كان ذلك صحيحا ؟

قذفت الموز من يدها بغضب .. لو أكلته بالعنب لكان لذيذا ..

-        لا أريد أن أسمع هذا الكلام مرة أخرى .. فاهمة ؟

يا سيدي العشق .. يا من يسمونه العشق .. على بابك طريح الجسد ، منهوب الروح ، أناديك موصول الجوى وأنوح .. يا سيدي العشق .. من أنت ؟

-        حاضر يا أمي .

-        نفرح بك هذا الصيف .. وإذا لم يجهز البيت تعيشين مع أهله مؤقتا ..

ما أجمل أن نصبح موضوعا لفرح الآخرين ، يا سيدي اطردني من فردوسك ، اغلق دوني أبواب جحيمك .. أيها العشق ، أيها الفارس الأهوج . .

" أمها أدت نذرها ، وهي صبي بكرها .. ويضمها بين الحشا .. ويضمها بين الحشا .. "

-        وتفرحون بي ؟

-        إي والله ، ونقيم لك عرسا أحسن من هذا ..

-        وأغاني أجمل ؟

" الوجه يا بدر التمام ، والغصن غار من القوام .. "

-     وأغني أنا بنفسي ..

يا من يسمونه العشق .. في الصفحة الثالثة بعد المائة : " وهو داء يصيب العوام ، دواؤه الوصال ، وإلا فليكثر من الحركة وصب الماء البارد على رأسه ، والاشتغال بالعلوم الفرائض ، ومجالسة أهل الفضل .. ويصر " قراد " على طاقية العاشق فيكون في ذلك الشفاء والله أعلم "

-        أين من الممكن أن أجد القراد يا أمي ؟

-        خير ؟ .. قررت التخصص في الحشرات ؟

-        لالا .. هذا دواء ..

-        دواء لماذا ؟ .. هذا البخور رائحته رديئة ..

لا تريدين سماع هذا الكلام ، وأنا فاهمة ، أيها التاريخ .. كل هذا العشق تنوء به ؟

" حبيبي طلع بي جو . . "

-        حبيبي نزل بي أرض !

-        أعجبتك الأغاني ؟

-        لنعد إلى البيت .. أريد صب الماء البارد على رأسي .

" صبوحة خطبها نصيب .. أوه خطبها نصيب..رغبانة وأبوها رفض .. أوه أبوها رفض .. وسرى الليل يا العاشقين .. يا العاشقين .. يا العا .. يا .. "

ذات رؤيا:

كنا في زقاق ، وهذه الكلمة تتبع عادة بكلمتي " ضيق " و" مظلم " ، لكن زقاقنا لم يكن كذلك ، فقط كان متربا ومسقوفا بالطين والجذوع ، ومن حين لآخر كنت أنفض الغبار عن ملابسي ،وأختلس النظر إلى الغصن الأخضر في يده ، كان مخضرا كأن فم الماء مازال يدندن في عروقه ، ونما فيَّ اعتقاد بتيبسه حالما يفارق يده ..

وبغتة انفتح لنا مكان ملون بعبث .. قد بهتت فيه كل النسب الهندسية .. فصاح وقد اختفى الغصن الأخضر - :

-        مذهل هذا المكان .. هل هو حقيقي ؟

-        لا أعرف .. لكن قدرتك على الدهشة شيء رائع .

-        قدرتي على الدهشة ؟

-   نعم ، فأنت تفقدها بحكم العادة .. أما أنا فظللت أندهش كل صباح لمرآك ، ولكن " لبنى" تخرج من فمك ولكل " صباح الخير " ..

-        يا إلهي ..

-        وحين افترقنا احتفظت بالدهشة ..

-        بعدم وجودي ؟!

-   بوجود عدم وجودك ، كان هذا مركزا بشكل مدهش تماما .. أعني المكان طبعا .. كنت أصحو فجأة فأرى أوقاتا عجيبة .. آه ليس الغروب وليس الفجر .. شيء ما بينهما ، كانت السماء تبدو بنفسجية ، تتهادى فيها ظلال واجفة ، وكنت ملتصقا بذهني بعنف ، وأجرب فصلك عني كما نفعل بورقتين ملتصقتين تماما .. إننا نستخدم السكين حينها .. أليس كذلك ؟ .. حسنا ، كانت السكين تضل الطريق وتتسلل إلى فؤادي ، فأرى قطرات حمراء تسيل على الأفق وأكاد ألمس الظلال ..

-        تألمتِ كثيرا !

-   آه ليس الألم .. حتى البراعم تتوجع حين تتفتح .. إنه اليأس .. أخرج الساعات أهيم في الشوارع .. للون الخضرة في النخيل طعنه ، للأسفلت سهامه القصيرة ، لأعمدة الإنارة السيوف المخترقة بصمت ، للصوت الغياب ولكن الأيدي الجليد .. لليأس كيه المرير . . أتعرف ؟ .. بالأمس حدثت أمي عن الزواج بعيدا ..

-        اتفقنا على غير ذلك .

-   بالتأكيد ، كنت أعبث معها ، كنت أجس النبض حين يشرد بعيدا ولا يحتفظ بذبذباته المنتظمة تحت جلد الساعة الأملس .

-        اشتقتكِ لبنى ..

-        ما الذي تشتاقه بالضبط ؟

-        لا أعرف .. كل شئ .. أنتِ ..كلماتك ..

-        تفتقد الكلمات لتولهها بك ، حبك لها جزء من تأكيدك ذاتك ..

-        تريدين القول إني لا أفتقدك لأجلك بل لأجلي ؟

-        نعم .

-        تريدين أن نختلف ؟

-         لا .. لا وقت لدينا ، سينتهي الحلم الآن ..

-       الحلم ؟

-        طبعا .. أنسيت أننا لا نلتقي في الواقع ؟

-        ونحلم الآن ؟

-        أحلم أنا ، وأنت داخل حلمي ؟

-        لماذا افترقنا ؟ .. أعني في الواقع ..

-        لماذا افترقنا ؟ .. ل م اذا .. اف ت ر ق نا .. ؟

-        تعالي .. ماذا ترين ؟

-        نبع ماء ..

-        اقتربي أكثر ماذا ترين على صفحة النبع ؟

-        وجهينا ..

-        ألا نبدو متشابهين ؟

-        لم تخطر لي هذه الفكرة من قبل .

-        ألا نبدو أجمل كثيرا ؟

-        ربما .. لماذا ؟

-        لأننا افترقنا .

-        لكننا نلتقي الآن .

-        عدت إلى النسيان .. هذا حلم .. حلم ..

-        حلمي .. آه صحيح ..

-        لنتسلق هذا الشعاع الأخضر من الشمس ..

-        مازلت مولعا بالشمس ، ألن نحترق ؟

-        لا .. هذه شمس خاصة لنا فقط .. هيا ..كم تبدين متألقة !

-        يؤسفني ألا أتألق إلا على ضوء الشعاع .

-        دائما متألقة .

-        لا أصدق ..

-        هذا حلمك يا لبنى

-        ماذا تقصد ؟

-        انتبهي ، طائرة ..

-        من حديد ؟

-        ألا ترين ؟

-        أنت أدخلتها إلى الحلم ، كنا نستمتع بالكون الغض كأنما خلق للتو ، لو استمررنا لكنا دخلنا الشمس ..

-        ولكنا هبطنا الآن . .

-        وهذا يعني أن الواقع ينوي التقاطع معنا .. ياإلهي .. يجب أن أستيقظ الآن .

ذات رسالة:

في البدء كان النظام :

يقسم الحديد زجاج النافذة إلى مربعات متساوية فتبدو السدرة خلفها مبعثرة ، ويقسم هذا القرار روحي إلى مربعات يبدو من خلفها السديم منظما تماما .

كل شيء على ما يرام ، كل شيء يلبس ثيابه المناسبة ، ويؤدي دوره المرسوم ، لكل كلمة موقعها من الإعراب ، ولكل ابتسامة مناسبتها المحددة ، ولكل العيون وظائفها المنتقاة ، ولي الالتزام المطلق بالنظام ، بالأثواب والأدوار والعيون والكلمات ، ولي الطريق المحدد والسرعة المحددة ، ولا مفترقات على الطريق وإلا تحرر لي مخالفات الوقوف بالدوار .

كل شيء يسير على نحو جيد ، سينبض قلبي بالمعدل المناسب لكل البشر ، وستكتب يدي كل الأشياء الهامة والجادة ، وسيتعلم معراج أحلامي ألا يتجرأ على مناطق مد المحال لرجليه ، وسأمشي بثقة وتوازن كأي رصاصة منطلقة نحو الهدف ، لا تزيغ .

كل شيء على ما يرام ، كل شيء له حدوده وقيوده ، وكل حلم يوجه صوته الخاص وشوقه الخاص ، ويمارس النظام والأمان .

نفترق .. ما المشكلة ؟ .. كل شيء جيد ومنظم .

في المنتصف كانت الحرية :

  نفترق ؟ .. يالمباهج الحرية !

نتحرر من سجن المعاني في كلمات ، من اصطياد الغزلان الشاردة في أرواحنا وإرقادها على مشرحة الفهم والتحليل ، من تشبيك الغيوم في الصخور الواطئة ، من محاولة تفسير ضوء النجوم ، وتوهج الشمس ، وبزوغ الفجر وهبوط الليل ، من تفاهات الاستفهام : لماذا تقوم الزلازل ؟ لماذا تندلع الأعاصير؟ لماذا تثور البراكين؟ لماذا تنمو الأشجار؟ لماذا تتمدد الظلال؟ لماذا نحب ؟

يا لمباهج الحرية ! .. نتسلل من قضبان الانتظار .. لا نصبح رهن العقارب خلف الأغطية الزجاجية .. لا نغدو مكبلين بالطرقات والخطوات المتأخرة والرنات الضعيفة التي قد لا تأتي .. ألا ننتظر الانتظار .. نتحرر من عذابات الطين وارتقاءات السماء ومن يأس خيوطنا الواهنة بينهما ، من شباك نغزلها لنمزقها لنغزل أخرى ، من حصر ضوء العيون في ضوئها ، من وقر الصبر والعقل ، من كتمان انفجاراتنا في وجه الثالث البليد الذي لا يسمع صراخ كل ذرة : " اذهب .. اذهب .. اذهب .." وكأنما تصرخ فيه كل ذرة : " أنا باق .. باق .. باق .." ، نتحرر من تغطية نرجس الحروف بزجاج الظروف ، من ربط عنق الأزهار بحبال تنتحل اسما جديدا كل يوم ..

نفترق ؟ .. ياللحرية حين لا ننتظر اللقاء .

في الختام كان الصدق :

هذه الأكاذيب الصغيرة عن النظام والحرية تسلية عابثة يا صديقي .. لا تصدق ! 

ذات صباح:

لأنه مخلوق يعطب ويغضب ويكسل ويصيبه  ما يصيب الخلوقات من أنواء مرض. 

وحين رقد في غرفة غير قصية في المستشفى المهووس بالبياض ، عبقت في الممرات وملصقات التحذير الملونة وعلب الأدوية رائحة غامضة ، وتكدست في روحي إلى جانب الأكوام الأخرى من الأمكنة والأزمنة والأصوات وبعض الأشياء التي لا داعي لها ، وتحول الأطباء والممرضات إلى موضوعات للحسد .

كان شعره الخشن منحسرا كالعادة عن جبينه ، وبدا شاربه أطول من المعتاد ، وأبهجني بشكل خاص إهمال أظافره .

بدا نبيلا بدرجة تتخطى المسموح به في عالمنا ، وبدأت أقشر عن الصمت رموزه ..        كنا بسيطين كالعطش ، كالنعاس ، كإغماءة مباغته .

ملاحظة : لم أره صباح مرضه إذ كان الرحيل قد آن .

ذات توهم للختام:

" وها أنا بعدما لاح لي

أن كل شيء قد انتهى

أستعيد جانبا من الوميض

الغصن يابس في يدي

والذئب على جانب الطريق "

تراجع

ملكة

عيناها زرقاوان تذكران بالسماء ، تتوزع من بؤبؤهما خطوط مستقيمة أغمق زرقة تذكر بالبحر ، وفمها المنفرج قليلاً  أحمر قان يذكر بالكرز ، ووجهها أبيض مشرب بلون زهري يذكر بالحليب بنكهة الفراولة ، وشعرها أصفر متوهج يذكر بتيجان الأميرات في قصص المكتبة الخضراء للأطفال ، وفستانها أبيض مزدان بشرائط ملونة يذكر بالفساتين السحرية في الفاترينات العالية المضاءة بشتى الألوان .

كانت جالسة كأعظم ملكات الدنيا فوق الرف العلوي ، وعن يمينها وشمالها تناثرت بعض الدمى الأخرى : قطنية وبلاستيكية وخشبية ، ولكنها كلها كواكب قميئة بحذاء شمس وهاجة ، وإذا بالغنا في الإنصاف فإن الدمى الأخرى كالوصيفات يتحلقن حول الملكة ، وللملكة صوت يذكر بتموسق الماء على مساقط الصخور ، يتشكل كلمتين : " ماما بابا .. " تتحدران كلما تحدرت قطعة البلاستيك البيضاء عن الفم الكرزي ، وكلما تسلسل الماء أرتجفت مريم التي ما طرفت عينها مذ بوغتتا بهذا الحضور البهي.

كانت ترفع رأسها الصغير إلى الرف العلوي متبتلة غارقة في التبتل ، وقلبها الطائر الصغير يرتعش كما يجدر في حضرة الملوك والسحرة والأمراء .

كان شعر مريم الأسود المدهون بزيت جوز الهند ليزداد حلكة يكاد يلامس الحذاء الأحمر البلاستيكي للملكة ، ومتى ما فطنت مريم لذلك ابتعدت بحركة مفاجئة ، وتروت ـ فلما لم يحدث شئ اقتربت بتمهل ولامس شعرها الحذاء اللامع ، ولم يحدث شئ ، فمدت أصابعها الصغيرة الرفيعة ومست " الدانتيل " الأبيض لفستان الملكة ، ولم يحدث شئ ، فمررت يدها كلها على " الدانتيل " وشهقات كثيرة تتزاحم في حلقها ولا تخرج .

صاحت " نهاد" : " عروستي ، لا تلمسيها " ، فتراجعت يد مريم مخذولة ، وتراجعت قدماها ، وبقي في عينيها البحر والكرز والحليب .

في طريق العودة إلى البيت لم تنبس ، كان والداها وإخوتها الثلاثة يعلقون ويضحكون ومريم مأخوذة ، نامت دون عشاء ، لم تتسوك ، لم تكتب فروضها المدرسية ، ولم تقل لأمها : " تصبحين على خير " .

" مريم .. مريم " قال الماء المتموسق على مساقط الصخور ، وقالت مريم : "الملكة ! " والتقت الأصابع الرفيعة بالأصابع اللدنة المتلاصقة ، وارتفعت مريم عن الفراش المخطط بمربعات زرقاء باهتة وحملتها الملكة من نافذة الغرفة المفتوحة ، حيث سحب بيضاء تسبح بألفة في السماء ، لاحقتا سربا من الفراش البديع ، فراش ملون كأنما غافل أسفار الأحلام ، ولاحقتهما أنهار من عسل ولبن مصفى ، وأصبحت مريم خفيفة كأنما طرحت روحها وقر الرغاب ، شفيفة كأنما تجلت عنها قتامة الرهبة ، وصافية بلا أحلام مؤجلة أو آلام مرتقبة .

وعادت مريم إلى فراشها الأزرق محضر الشمس ، فنبت في عقلها الغض معنى الحلم .

جاء النهار الخئون ، حبات البازلاء الخضراء في طبق مريم عقد سيتناسب حتما مع الشريط الأخضر في خصر الملكة ، وعلبة الألوان المائية خاصة أخيها ملائمة للتيجان الورقية التي تصنعها كل ظهر بعدما تنام أمها فتسرق المقص من علبة الخياطة - ، وتلك الصابونة البيضاء الناعمة لا أنسب منها لاستحمام الملكة ولكن نهاد ما سمحت قط بلمس عروستها ، ولم تر أنها بحاجة إلى عقود عطبة أو تيجان مضحكة ، وهي لامعة دوما دون صابونة بيضاء .

دأبت مريم على زيارة الملكة ، الدائرة في أفلاكها ، الملكة التي بحضرتها ينتمي كل الكون عداها السراب ، وببهائها وصوتها المائي تغتسل مريم حتى ألفت الحلم، ففطنت الأم وقرر الأب .

كان يوم العيد ، فتحت مريم عينها فأحست بشيء خشن تحت يدها وآخر بارد يلامس خدها ، وحين استيقظت تماما كانت نسخة أخرى من دمية نهاد تستلقي بجانبها ، شعرها الأصفر تحت يد مريم ، وذراعها البلاستيكية العارية تضغط خدها .

وثبت مريم قائمة ، فركت عينيها بيديها ، كانت الملكة نائمة بجانبها ، على فراشها بمربعاتة الزرقاء الباهتة ، وفستانها منكمش تحت ثقلها.. هذه عروستها ، بوسعها أن تلمسها كما شاءت ، بوسعها أن تخلع فستانها وتحممها بالصابونة البيضاء وتجففها وتطعمها من الصحون الصغيرة ، بوسعها أن تضمها وترقص معها ، وتلبسها فساتين العرائس القديمة ، بوسعها أن تترع السدادة البيضاء من فمها وتجعل صوتها المائي يرويها بلا توقف ليلا ونهارا  . بوسعها أن تصنع لها التيجان والعقود .. بل بوسعها أن تعضها إن شاءت ، أو تلون فمها بالأزرق أو الأخضر ولكن .. هل تكون حينها هي الملكة ؟ .. لقد حلت اللحظة التي اكتشفت فيها مريم أن شعر العروسة الأصفر خشن،  وأنها باردة وأن فستانها قد ينكمش كما تنكمش كل الفساتين الأخرى .. لقد غرست إصبعها في خدها فانبعج ، وما عادت له نكهة الحليب بالفراولة .. لقد القتها على حوض الاستحمام ورأت الماء يسيل عليها وهي مستسلمة .

ليست هي الملكة التي تجلس في عرشها في الرف العلوي في غرفة نهاد وتدور حولها الأقمار والشموس والدمى الأخرى لم تعد عيناها تذكران مريم بالسماء والبحر ، ولا شعرها بالتيجان ولا فمها الكرز ، وانزوت مع بقية الدمى إذ لم تعد ملكة .

وظيفة

(1)

ملَّ الفرح من قعوده الطويل ، لبس على عجل وخرج .

  سار في الشوارع يتقمص الترصد ، لكنه كان من الوداعة لدرجة العجز عن الهجوم في أي شخص.

  عاد الفرح إلى مثواه ، وندم حين عنف على البطالة ، وعزم على الهجوم في الغد .

  الغد ، خرج الفرح يتمشى في الشوارع ، فتش عن وجه مناسب يحل فيه ، فتش عن قلب ملائم يرقد بداخله ..وحين أعياه البحث عاد.

  ساءت حالة الفرح ، اشتد جوعه واهترأ حذاؤه ، فلا أحد يطعم مجانا ولا بد أن يعمل ليبقى، ولكنه لم يعثر على من يزاول فيه وظيفته .

(2)

بعد ليال عجاف شداد ، وقع الفرح على بغيته : رجل يبدو كأنما خلق ليتحد به ، كأنما عاش بانتظار لحظة اللقاء ، كأنما لم يتهيأ في حياته لشيء غير هذا الحلول. 

(3)

  أصبح الفرح يخرج حافيا عاصبا بطنه لأن الرجل الملائم لم يكن غير فرح آخر يبحث عن وظيفة.

تراجع

يقين

حين بلغت مرتقى اليقين بأن روحي قد تخطِّفَت في كفٍّ بعيدة بعيدة (يسحقني قربها المتزايد كل يوم) ، التقينا ، من جديد التقينا ، كيف لي أن أحدد الآن..إن الدوائر تراوغني وكل تحديد يغدو عبثا.

لِنقل إن نهرا مرَّ بيننا ، ولنقل إن ملابسنا زرقاء ، لنقل إن أصابعه عدلت من ياقة قميصي ، ولنحتفظ بمعرفتنا عن تصلب يديه بجانبه كسرٍّ صغير لنا.

قال كما ينبغي:" كيف حالكِ؟"

وابتسم بمعدل سنتمتر على كل من زاويتي الفم.

وقلت كما ينبغي :"بخير ، كيف حالك؟"

وقال- محتفظا بالمعدل نفسه- :"بخير"

وهكذا تمت الخطوات الأولى بكل دقة ونجاح.

أخذت أصابعي تقطر قهوة ، وتشبث فنجان أصفر بفمه ، ولما تمطى الليل بصلبه سكتنا عن الليالي الكثيرة ، وغادرت دموعي فيها أكاليل لم تطوقه قط.

وسرنا معا ، لنقل إن أصابعنا متشابكة ، وإن مرجا أخضر تحت أقدامنا ، وإنه لم يمزق يدي.

لنقل إن ملابسنا رمادية ، وإن يديه مرَّت على شَعري الرمادي ، وإنه لم يخفِ الدهشة لاشتعاله شيبا ، ولم يشرب قوله:"كم شقيتِ!"...ولنحتفظ بما نعرفه لنا.

سننسى الآن أن أظافره طالت حتى توكأ بها على ترابي ، وأنه نهب كل مخبَّأ من ألوان الغَرق ليبعثره كأي غبار ، وأنه فقد التمييز بين الأطواق والعقود على الرقاب، سننسى كل الزرقة الحريفة ونزعم أنا التقينا جديدين ، وأني عدت إليّ وقسَّمت المسافة بيننا عدلا ، وأصبحت أراه دون ضباب من وقت صريع.

على المشربية وقفت ، ومن منمنمات الخشب العتيق رميت خصلاتي ، ولم يتسلق..سننسى عبثه بالخناجر التي لم تعدِّل مسارها ، ولكنا سنتذكر دائما أن خشبي قد نخِر ، كم غدا هشا وعاجزا عن تلقيها!

سأحلم كما كنت تحلم أن اللغات تنام على كتفي ، وأن البحار تمنحنا ما نشاء: لآلئ..مرجان ..رمال حرية لا تباع، سأحلم أنا التقينا بدون وداع ، وأني رأيتك دون ضباب، وأنك ، أنك غيرك :أكثر نبلا وأعمق.

حين بلغت مرتقى اليقين بأني لم أعد لي عرجت على سماء يقينية من استحالة لِقاه .

كلما رأيته -بعد المرتقى- أزداد بعدا عن رؤيته ، وزعم بأنَّا التقينا ، ولنقل إن ملابسنا بيضاء ، وخلفنا جبال بيضاء ، وفوقها نجوم بيضاء.

وأوقن الآن بأني مهما زعموا ، لن أراه.

تراجع

 

الرئيسية
الكاتبة
الكتابة
الصدى
صوتك
 

 جميع الحقوق محفوظة للكاتبة  ©