|
حملت جرحي -
اضطرارا لا اختيارا- وشما إلى الأبد ، ومهما برئت من
الألم أرى زرقة انحفاره التي كانت ، وأبصر في لهبها
الداكن سحيق الأذى الذي نلحقه بأرواحنا حين نحاول
دمجها بأرواح أخرى.تلك الجنود المؤلفة ، منها ما يأتلف
، ومنها ما يستسيغ وهم الائتلاف ، فإذا ما تقضقضت على
عتبات الحقيقة تبدَّى عوار أسلحتها الهشة.
بعد سلسلة طويلة من
الانكسارات والتعذيب المستمر ، رأيتني في المنام أخلع
قميصا بيتيا لأعطيه خطيبته معتذرة لها عن طول
الاستعارة ، وانخلعت عن جحيمي بمعجزة ، تعلقت بأستار
الكعبة أدعو بالخلاص ، كتبت عشرات السطور من قاع روحي
السقيم ، مزقتني المنامات الطويلة المتكررة، صهلت فيَّ
أفراس الآلام حتى قلت: الموت أو الموت...ثم انخلعت عن
الجحيم ، بيد أني أختنق الآن بالدخان.
إنه يتصاعد قويا
وعارما من تلك الكلمة الراجفة ، ويفوح منها أينما
اتجهت الطرق ، تلك التي سميناها"الماضي".
هكذا
أسميناها ، لكنا أودعناها الروائح ، وألصقنا بها بقايا
ما نطقت العينان ، وامتلأت بالكلمات المتمددة الشقية
أبدا في براح الروح..من لي بما جَنَت وجُنَّت؟
أتلك
أنا؟ أذلك كان أنت؟ أو كان ما أذقتنيه حقيقة؟..حقيقة
الشوك المسمم ، والخناجر الفرِحة.
حيا كان
الألم كحواف أعصاب تُمس ، وحية كنت لأرقب ناري ،
وبعيدة عن أرضها الآن أحمل جمرها وما التصق فيه من لحم
قلبي محترقا ، تخنقني رائحة الشواء ، ولكن قرباني لا
يصل ، ولا يُقبَل ، ويرتد إلي خاسئا وهو حسير.
مناماتي
المتكررة لا تقول مزيدا كل مرة ، تمزقني بإتقان وحسب .
وحين نأت سمائي عن أرضها ونمورها الجارحة تقاطرت
النجوم لفرط ذوبها وعمق نهشتها الباقية ، أبدا تعوي
فيَّ مساحات الحلم البعيدة ، وأبدا تزئر في فضاء كلما
اقترفت وهم الابتعاد زلزلت سكونه منامات.
جاء ،
وضع يده على رأسي ، وهمس باسمه ، ولم يذهب ، وحين أسمع
همسه أخيرا بعد كل تلك السنوات ، سأسمع:"اسمي هو
الذل". اسمي هو المسفوح ، ولوني هو المباح ، ورسمي هو
الدارس ، وحرفي هو الشامس ، وفي غروب الاسم أفاق شروقي
، وفي درب شروقي حصى من اسم قديم ، حصى لا يُخلَط به
المسك الأذفر ، ولا عنبر ، حصى منزوع القدسية ، مسفوح
هو اسمي.
وصراعي
معه عبث ، ودربي إليه خوض للبحر ، وكان الرمل من تحتي
لينا ومراوغا ، وكان الموج من فوقي هينا يتظاهر بالعلو
، حتى إذا ما وصلت أو خلتني ، قرأت من صدر حافظ سورا
في الصبر ، حتى غرقت بغتة ولم يكن مركبا.
كانت
مستطيلات الضوء تتكسر عند نقطة معينة ، وكان للإجهاد
حضور صارم بعد ساعات من الضبط والقياس ، وإعادة
البرمجة ، حك عينيه دافعا رأسه للوراء ، وقال
بهمس:"سيكون مشروعا عظيما" ، ثم أمسك أحد أقلام الرصاص
المدببة وحط إشارات مختصرة على الخريطة المبسوطة أمامه
، وقال كأنما أبصر عوني المبذول بغتة:"أنا فخور بك".
لقد هوت
تلكم الكلمات المعدنية محدثة دويا هائلا ، لم ينِ يحفر
داخلي بأطرافه الباردة المدببة ، كان لفخ الفاء في
فخره صدأ أراني تآكل سجف الغد ، ولخور الخاء خوار يكشف
خشية التقدم ، وفي وحل الواو غار وجيبي ، وعلى حد
الراء المرائية الجهرية تكشف سري ، وعلمت مذ لاحت
الكلمة أن الجرح عنها بعيد ، وأن نبرها سيظل يهوي في
طاعنا إلى الأبد ، وأوقفت نفسي عن كلام مباح يقول:"لا
علاقة للحب بالفخر ، والشكر المبذول".
يلوح
البذل مبتذلا ، ويحفر حرفي في جسم هاتف أهدانيه ، ثم
لم يستجب لهتافي ، وترك حرفي حائرا ، منقوشا ممحوا ،
مثبتا غائبا ، وجنَّ هتافي بحثا عنه ، ولم يقل إنه مع
خطيبته ، وعلى يدها يمَّحي حرفي الذي نقشته يده ، وعلى
كتفها حطَّت حمامات لم ير في صفائها عيني ، ولم أحطم
الهاتف الهدية ، لم يكن قابلا للكسر غير هذا القلب.
ذلكم كان
مبعثر شتاتي ، قاذفي الدهر خارج حد النظام ، ومنبع
وجعي بحثي عن عمق من سطح بلا عمق ، ورجائي الذوب في
غير الحق ، وتفتيشي عن حيز لي في ممتلئ بذاته ، واله
بأناه.
بيني
وبينه عوائق العجب ، ومحبة الأستار ، وولوج الشبهات ،
وحين رأيته ، بعد فواصل من زمن طويل عجيب ، أبصرني من
عل ، وأبصرته من خلف ، في قاعة فسيحة يقابلني نصف وجهه
، قد كبرت أذنه واستطالت ، ولمعت شعرات بيض أعلاها ،
وأوغلت نبرة صوته في الحياد ، وحطت شفقة بريئة بيننا ،
عبر كراسٍ خالية ممتلئة ، وعرفت أن ألما كثيرا كان حقه
ألا يكون. رفع يده التي حفظت متكلما ، فأنكرت ذاكرتي ،
وتجعدت صورها ، وعرفت تحطم صنمي ، غير أن شظاياه
توجعني بغير ما داعٍ. انسفح دم التمثال ففيم كان
العذاب؟
هوى علي
عاتيا ثقيلا فناء بحمله هذا الكيان الضعيف ، ولم يسعه
ما بين بردي ، وكما سقط قاطعا حادا كالموت ، خرج –بعد
لأي- صعبا أليما كالحياة ، كشجرة شوك تنتزع من كل عرق
إذ تعلقت منه بسبب. ثم حياني ، فرددت التحية ، وحين
تواجهنا رابني امَّحاء ملامحه ، انحسار كل ذلك المد من
الجاذبية ، وعلى الرغم من أن تحايانا هذه توسع الشروخ
المتنامية كما في شبكة صيد قديمة فقد دلكت شمسي فلم
تعد عين الغزالة ترميني برياش. ثم سار مبتعدا فشممت
عطره القديم ، فغضبت ، كثيرا كثيرا ، ولكن غضبي كان
متأخرا ، كان العطر قد حفر بمسمار من نار فيَّ ، ولم
يكن غضبي ماء.
تراجع
|