..  كل سعادة الانسان تكمن في المخيلة
 

مقاطع من الرواية:

حملت جرحي - اضطرارا لا اختيارا- وشما إلى الأبد، ومهما برئت من الألم أرى زرقة انحفاره التي كانت، وأبصر في لهبها الداكن سحيق الأذى الذي نلحقه بأرواحنا حين نحاول دمجها بأرواح أخرى..... تابع

غارق طير قلبي في ماء ، بلل ريشه يحطه عن التحليق ، وغرقه يغلق عينه المحدقة في الفضاء ، ومربعات نافذتي الملونة بالأزرق والأحمر والأخضر لا تفتح غيبها له، ولا تقول كن فيكون .... تابع

في أعلى الشجرة التي ارتفاعها سبعون ذراعا وعرضها سبعون ذراعا كنا ، يمس ورق الشجر أقدامنا ولا يمس ، ونسير ، ببساطة ، كأننا فرح صغير خرج للفرجة على العالم من عل ..... تابع

  

 

حملت جرحي - اضطرارا لا اختيارا- وشما إلى الأبد ، ومهما برئت من الألم أرى زرقة انحفاره التي كانت  ، وأبصر في لهبها الداكن سحيق الأذى الذي نلحقه بأرواحنا حين نحاول دمجها بأرواح أخرى.تلك الجنود المؤلفة ، منها ما يأتلف ، ومنها ما يستسيغ وهم الائتلاف ، فإذا ما تقضقضت على عتبات الحقيقة تبدَّى عوار أسلحتها الهشة.    

بعد سلسلة طويلة من الانكسارات والتعذيب المستمر ، رأيتني في المنام أخلع قميصا بيتيا لأعطيه خطيبته معتذرة لها عن طول الاستعارة ، وانخلعت عن جحيمي بمعجزة ، تعلقت بأستار الكعبة أدعو بالخلاص ، كتبت عشرات السطور من قاع روحي السقيم ، مزقتني المنامات الطويلة المتكررة، صهلت فيَّ أفراس الآلام حتى قلت: الموت أو الموت...ثم انخلعت عن الجحيم ، بيد أني أختنق الآن بالدخان.

إنه يتصاعد قويا وعارما من تلك الكلمة الراجفة ، ويفوح منها أينما اتجهت الطرق ، تلك التي سميناها"الماضي".

هكذا أسميناها ، لكنا أودعناها الروائح ، وألصقنا بها بقايا ما نطقت العينان ، وامتلأت بالكلمات المتمددة الشقية أبدا في براح الروح..من لي بما جَنَت وجُنَّت؟

 أتلك أنا؟ أذلك كان أنت؟ أو كان ما أذقتنيه حقيقة؟..حقيقة الشوك المسمم ، والخناجر الفرِحة.

حيا كان الألم كحواف أعصاب تُمس ، وحية كنت لأرقب ناري ، وبعيدة عن أرضها الآن أحمل جمرها وما التصق فيه من لحم قلبي محترقا ، تخنقني رائحة الشواء ، ولكن قرباني لا يصل ، ولا يُقبَل ، ويرتد إلي خاسئا وهو حسير.

مناماتي المتكررة لا تقول مزيدا كل مرة ، تمزقني بإتقان وحسب . وحين نأت سمائي عن أرضها ونمورها الجارحة تقاطرت النجوم لفرط ذوبها وعمق نهشتها الباقية ، أبدا تعوي فيَّ مساحات الحلم البعيدة ، وأبدا تزئر في فضاء كلما اقترفت وهم الابتعاد زلزلت سكونه منامات.

جاء ، وضع يده على رأسي ، وهمس باسمه ، ولم يذهب ، وحين أسمع همسه أخيرا بعد كل تلك السنوات ، سأسمع:"اسمي هو الذل". اسمي هو المسفوح ، ولوني هو المباح ، ورسمي هو الدارس ، وحرفي هو الشامس ، وفي غروب الاسم أفاق شروقي ، وفي درب شروقي حصى من اسم قديم ، حصى لا يُخلَط به المسك الأذفر ، ولا عنبر ، حصى منزوع القدسية ، مسفوح هو اسمي.

 وصراعي معه عبث ، ودربي إليه خوض للبحر ، وكان الرمل من تحتي لينا ومراوغا ، وكان الموج من فوقي هينا يتظاهر بالعلو ، حتى إذا ما وصلت أو خلتني ، قرأت من صدر حافظ سورا في الصبر ، حتى غرقت بغتة ولم يكن مركبا.

كانت مستطيلات الضوء تتكسر عند نقطة معينة ، وكان للإجهاد حضور صارم بعد ساعات من الضبط والقياس ، وإعادة البرمجة ، حك عينيه دافعا رأسه للوراء ، وقال بهمس:"سيكون مشروعا عظيما" ، ثم أمسك أحد أقلام الرصاص المدببة وحط إشارات مختصرة على الخريطة المبسوطة أمامه ، وقال كأنما أبصر عوني المبذول بغتة:"أنا فخور بك".

لقد هوت تلكم الكلمات المعدنية محدثة دويا هائلا ، لم ينِ يحفر داخلي بأطرافه الباردة المدببة ، كان لفخ الفاء في فخره صدأ أراني تآكل سجف الغد ، ولخور الخاء خوار يكشف خشية التقدم ، وفي وحل الواو غار وجيبي ، وعلى حد الراء المرائية الجهرية تكشف سري ، وعلمت مذ لاحت الكلمة أن الجرح عنها بعيد ، وأن نبرها سيظل يهوي في طاعنا إلى الأبد ، وأوقفت نفسي عن كلام مباح يقول:"لا علاقة للحب بالفخر ، والشكر المبذول".

يلوح البذل مبتذلا ، ويحفر حرفي في جسم هاتف أهدانيه ، ثم لم يستجب لهتافي ، وترك حرفي حائرا ، منقوشا ممحوا ، مثبتا غائبا ، وجنَّ هتافي بحثا عنه ، ولم يقل إنه مع خطيبته ، وعلى يدها يمَّحي حرفي الذي نقشته يده ، وعلى كتفها حطَّت حمامات لم ير في صفائها عيني ، ولم أحطم الهاتف الهدية ، لم يكن قابلا للكسر غير هذا القلب.

ذلكم كان مبعثر شتاتي ، قاذفي الدهر خارج حد النظام ، ومنبع وجعي بحثي عن عمق من سطح بلا عمق ، ورجائي الذوب في غير الحق ، وتفتيشي عن حيز لي في ممتلئ بذاته ، واله بأناه.

 بيني وبينه عوائق العجب ، ومحبة الأستار ، وولوج الشبهات ، وحين رأيته ، بعد فواصل من زمن طويل عجيب ، أبصرني من عل ، وأبصرته من خلف ، في قاعة فسيحة يقابلني نصف وجهه ، قد كبرت أذنه واستطالت ، ولمعت شعرات بيض أعلاها ، وأوغلت نبرة صوته في الحياد ، وحطت شفقة بريئة بيننا ، عبر كراسٍ خالية ممتلئة ، وعرفت أن ألما كثيرا كان حقه ألا يكون. رفع يده التي حفظت متكلما ، فأنكرت ذاكرتي ، وتجعدت صورها ، وعرفت تحطم صنمي ، غير أن شظاياه توجعني بغير ما داعٍ. انسفح دم التمثال ففيم كان العذاب؟

هوى علي عاتيا ثقيلا فناء بحمله هذا الكيان الضعيف ، ولم يسعه ما بين بردي ، وكما سقط قاطعا حادا كالموت ، خرج –بعد لأي- صعبا أليما كالحياة ، كشجرة شوك تنتزع من كل عرق إذ تعلقت منه بسبب. ثم حياني ، فرددت التحية ، وحين تواجهنا رابني امَّحاء ملامحه ، انحسار كل ذلك المد من الجاذبية ، وعلى الرغم من أن تحايانا هذه توسع الشروخ المتنامية كما في شبكة صيد قديمة فقد دلكت شمسي فلم تعد عين الغزالة ترميني برياش. ثم سار مبتعدا فشممت عطره القديم ، فغضبت ، كثيرا كثيرا ، ولكن غضبي كان متأخرا ، كان العطر قد حفر بمسمار من نار فيَّ ، ولم يكن غضبي ماء.

تراجع

غارق طير قلبي في ماء، بلل ريشه يحطه عن التحليق، وغرقه يغلق عينه المحدقة في الفضاء، ومربعات نافذتي الملونة بالأزرق والأحمر والأخضر لا تفتح غيبها له، ولا تقول كن فيكون .

 الشمس دائرة صفراء بلا شعاع تتأهب للسقوط خلف الجبل، ويد عمتي ممسكة بيدي تلح : "اخلعي بدنك وامشي "

 يتلجلج في صدري الطير الغريق : " أنى أخلع بدني ؟" وقفت، أصاخت السمع، عيني على وجهها، صفحة خدها المجدورة، وأنفها المفلطح، عيناها الغريبتان، لطالما نفرني هذا القبح، فما به الآن يشف، ويرتفع عن ذاته، ليستحيل جمالا خارقا لا يقاوم ؟

ركبتاي تخوران، لا أستطيع الصعود لأعلى الجبل حيث النباتات التي تتأملها عمتي بافتتان لا يفنى كل يوم، أردت مشاغلتها :" وإن خلعت بدني ؟.."

 أسكتتني بإشارة، وبعد أن انزلقت الشمس، تنهدت :" التسبيح .. ياللجلالة.!"

قدماها لا تكاد تمس الحصى، ترفق به لكأنما التسبيح صوت قرقعته، تربت على النبات الذي لم أستطع حفظ أسمائه وكأن نسغه هو التسبيح، نزلنا بصمت، وأويت إلى الغرفة، أصغي وأصغي، أهش الطير المبلل في صدري ليطير، ويذيقني الخفة، غير أنه يقعي ثقلا لا يرام فكاكه، ولا أسمع التسبيح.

الجبل قطعة ظلام سوداء، ومصباحي ظلال موحشة، عبثا أستنقذ هذا الطير من غرق محتم، أنزل للحوش، عمتي تجلس على حصير الخوص وفي حجرها رأس  حمد، تمسده، لا أقوى على كل هذا الصمت، إنهم يصغون، ولا أسمع ما يسمعون، جلست بجانبها صامتة، أسندت رأسي إلى كتفها، ونظرت إلى تدرج ألوان الليل .

يتجسد لي في كل درجة، أود أن أعاتبه بملاغاة طويلة طويلة تحرر ذاكرتي من نهشة الجرح الحي، ولا أتمكن من النطق، عتبي لا يتزيا بزي الحروف وألمي لا يطيق تجسد الكلمات، أغمض عيني عن طيفه، فتغوص عيني المغلقة بداخلي لتراه أكثر وضوحا، ترى شعاع عينه البني، وحنية إصبعه، ولا ترى الكلمات التي غرست شجرة العذاب وأروتها.

سمعت صوت عمتي مع توقيع أصابعها على شعر حمد :" و إن خلعت بدنك ؟.. إن خلعت بدنك مجردة، تكوني حينئذ داخلة في ذاتك، خارجة عن جميع الأشياء مجموعة عليك، مصروفة البال إليك، فترين في ذاتك من النور والبهاء والرفعة والسناء ما تبقين له متعجبة متحيرة، فتعلمين أنك جزء من أجزاء الجبروت "

سالت دموع حمد على حجرها، توسد يده على ركبتها، فمررت أصابعها على زغب شاربه، وبعد صمت طويل قالت : " فمن هاهنا تشعر بالإحاطة، فترى في ذاتك من النور والبهاء مالا تطيق على شهوده ولا تستطيع التجوهر لوجوده، فترجع عاجزا والذهن كليلا .."

هل تكلمني أم تكلم حمد ؟ أم تقرأ سطورا لا نقرؤها من كتاب لا نراه؟ لا أحسبها إلا مكلمة لذاتها , لم أرفع رأسي عن كتفها، أردت أن تسري معانيها إليّ بلصقي بجسدها، لعل المعنى يعبر بلا واسطة الكلمة ..

  لا أرى غير طيري، قلت : " وختام العجز والكلل ؟.."

فابتسمت، وعاد جمالها الخارق الذي يستمد من جمال كل ذرة في الكون :" حتى تألفي المقام، ولا يقع بحمد الله تعالى الانفصام، وترتفع المنازعة عند معقول المراجعة ".

فعادت عينا حمد تسيل، وغاض الطيف الماثل أمامي في طين وماء.

تراجع

 

في أعلى الشجرة التي ارتفاعها سبعون ذراعا وعرضها سبعون ذراعا كنا، يمس ورق الشجر أقدامنا ولا يمس، ونسير، ببساطة، كأننا فرح صغير خرج للفرجة على العالم من عل، وهبط من عروق الشجر إلى جذوره حتى عثر على هذه الشجرة السحرية مزنرة بالرقم السبعين، محروسة بحرف الميم، فسرى إلى أعاليها، مرتشفا الغيم.

 كنا نسير، لا حاجة بنا حتى لاشتباك اليدين، إذ تفرعنا أغصانا، وفروعا، وزهرا، ولم نعد ندري من ينتمي لمن، ومن يشتبك في من، الزمن؟.. الزمن كان الغروب، شبه نور وشبه ظلام، وفي مرآة روحينا كانت "أنت" مضببة في شرك حروف "أنا"، مرفوعة على قرني غزال نازلة في المنزل السادس لكوكب الزهرة.

وحين انزاح الغطاء فتحت عيني وجرعت من كوب الماء الذي انساب إلى حلقي، وغسل كل ضباب، وأراني كل ما ينبغي رؤيته : المنبه، والكرسي، واللوحات، والكتب والتذكرة الممزقة لسفر كان سيضمنا.

تراجع

 

الرئيسية
الكاتبة
الكتابة
الصدى
صوتك
 

 جميع الحقوق محفوظة للكاتبة  ©