..  كل سعادة الانسان تكمن في المخيلة
 

من نصوص المجموعة:

  1. التيمينة

  2. الخيول الراكضة     

  3. العرس

  4. المحبوب

  5. حبة الفاصوليا

  6. زجاج

  7. صبي على السطح

  8. على الكرسي الخشبي في الحديقة جلسنا

  9. ما لن يأتي عبر النافذة

التيمينة

منذ تلك اللحظة التي أوقفتها أمها بمواجهتها عرفت البنت الصغيرة أنها لم تعد طفلة، وكان هذا هو أهم حدث في حياتها على الإطلاق.

وضعت الأم يدها اليسرى على كتف نورة النحيل، وناولتها باليمنى مصحفاً أخضر اللون. تلقت نورة المصحف بكلتا يديها، حدقت في نقوشه البديعة المتداخلة، وتتبعت حروف "القرآن الكريم" على غلافه، أسرها الخط الفاتن الذي كتبت به الكلمتان، تحسست الغلاف الصلب القوي، وارتعش بدنها بنشوة الفرح.

منذ هذه اللحظة ستحمل نورة معها إلى الكتَّاب هذا المصحف الكبير الذي جلبه عمها من الحج، كُتِب عليه: "طبع بالمدينة المنورة"، ونورة تحفظ نشيد "طلع البدر علينا"، وتهتز لذكرى المبعوث المهاجر إلى المدينة، وحين تصفحت المصحف مرتجفة كانت زخارفه الداخلية ملونة، وعظيمة، واجتاح الشوق نورة لتدخلها، وتعانقها، وتلتحف بتعريجاتها المدهشة، هذا المصحف الأخضر المهيب به كل السور، كل السور التي يعرفها الكبار ويحفظها المعلم "سرور"، وكل أسمائها موجودة في آخر المصحف: "البقرة .. آل عمران .. النساء .. المائدة .."، حتى السور الطوال التي تفتح باب الجنة يحويها هذا المصحف، وكل هذا لنورة، لها وحدها، وهي وحدها ـ من بين كل إخوتها وأترابها ـ ستحمل اليوم إلى الكُتَّاب هذا المصحف العظيم، في حين سيظل الباقون يحملون مصاحف خفيفة الوزن، بها جزء عم والحروف الأبجدية فقط، أغلفتها باهتة، ولا نقوش بها، ولا يُكتب على غلافها "القرآن الكريم"،  يُكتب "جزء عم" فقط. احتضنت نورة مصحفها الجديد، ومضت إلى الكُتَّاب.

الطريق طويلة ومتربة، ونورة تشد المصحف بقوة إلى صدرها، لم تركض لئلا يصل الغبار إلى المصحف، لم تدلع لسانها لحسون المجنون، لم تتوقف لتغمس رجليها في الفلج وتلعب بالماء، لم تمر على بيت زينة العمياء لتقودها إلى الكُتَّاب وتأكل الملبس من يد جدها، لم تتأمل دكة دكان عامر حيث اصطفت الحلويات المترفعة بالأغلفة الزاهية، كانت تمشي كأنها لا تمشي، كأن موجاً هيناً تحتها يدفعها، وشيء واحد على هذا العالم يشغلها: "التيمينة".

بلال ابن الجيران كان عنده مصحف كبير ـ لم يكن من الحج ولا مزخرفاً كمصحف نورة ـ ولكنه ختمه، فأعلن المعلم سرور ذلك على الملأ، وأقاموا التيمينة لبلال.

دخلت نورة إلى الكُتَّاب، تلفتت حولها مزهوة لكن أحداً لم يلاحظ مصحفها الجديد، على يمين القاعة الواسعة المفروشة بالحصر تحلقت البنات في حلقات يقرأن بأصوات رفيعة وهن يهززن رؤوسهن وأبدانهن الصغيرة، وعلى اليسار تبعثر الصبيان بين قارئ وصانع نبل، والمعلم سرور في الوسط متكئ على خيزرانته منكفئ الرأس لم ينتظم شخيره بعد.

ظلت نورة واقفة لبرهة تنقل بصرها فيهم، تخيلت كل هؤلاء الصبية والبنات يخرجون من الكُتَّاب، جماعات متماسكة الأيدي، وتسير هي والمعلم سرور في المقدمة، في حين يهتف أكبرهم:

                 "هذا أخوكم قد كتب وقد قرا       وفاق في الخط على كل الورى"

فيهتف الصبية والبنات: "آمين .. آمين .." ، وينطلقون في جميع الحواري وتحت كل النوافذ مرددين هتافاتهم فرحاً بها .. جلست نورة متربعة على الأرض، وضعت المصحف الجديد في حجرها، وأسندت رأسها إلى الجدار، مجموعة من الصبية أرسلهم المعلم سرور إلى بيت حمد يدخلون الآن منتشين بالانتصار وهم يجرونه من يديه ورجليه، ضحكت نورة، كلما هرب حمد من الكُتَّاب أرسل المعلم الصبية خلفه، وسقاه من خيزرانته الرفيعة.

تخيلت نورة دشداشتها الجديدة يوم تيمينتها، وشعرها المسرح في ضفائر كثيرة، ويد المعلم سرور الكبيرة تقبض على يدها، والصبي يهتف:

"يا ربنا يا قاسم الأرزاق             الواحد الفرد العزيز الباقي

هذا الصبي ارزقه علم الأثر         وهب له حفظ جميع السور

وهب له الفقه والفصاحة             والزهد والعفة والسماحة .."

فيرتفع الهدير من خلفهم: "آمين .. آمين"، وسيمطون كلمة آمين حتى يحدجهم المعلم سرور بنظراته، فيتضاحكون ويعبرون بوابة القلعة الخشبية، ويمرقون بين الضواحي، ويغافلون المعلم ليتراشوا بماء الفلج، وينعطفون بعد مركاض الخيل متجهين إلى بيت نورة .. دقت نورة رأسها في الجدار جذلاً، ولكنها رغبت أن تغير كلمة "هذا الصبي" إلى "هذه البنت"، وتحسست شعرها حيث ستنساب الضفائر، فانتبهت فجأة إلى أنَّ شمسة بجانبها، حذرتها أمها مراراً من الجلوس بجانب شمسة لأنَّ رأسها مليئة بالقمل، وسيسحبها في النهاية إلى البحر، ويغرقها.

لم تكن نورة قد رأت البحر، وتخيلت أنْ تذهب إليه مسحوبة من القمل كما يسحب الصبيان حمد ، فضحكت.

سيقيم أبوها مأدبة ضخمة، ويذبح خرافاً كثيرة من المزرعة، وستوزع أمها الحلوى على الجميع بعد أنْ يرجعوا من التيمينة، ويمروا بهتافاتهم على كل أنحاء البلد، سيلتهمون الحلويات بلا حساب، وستلعب البنات بالزعفران الذي تضعه أم نورة على وجوههن، ويدعكنه في خدود بعضهن البعض كما فعلن في تيمينة بلال، ولن تنتبه أمها إلى جانب من تجلس نورة، ضحكت نورة بحبور وهي تدندن: "هذه تيمينة مبينة     فائقة رائعة حسينة .."

"أنت .. يا من تضحكين"

رأت المعلم سرور واقفا أمامها، بكامل يقظته وغضبه..

أشار لها بخيزرانته: "والمصحف مقفل أيضا؟ .. أنتِ هنا للعب والضحك؟ .. لم لا تفتحي المصحف وتقرأي؟  .."، وبيدٍ قوية أبعد ظهرها عن الجدار، فسقط المصحف الجديد من حجرها، وأحست بلسعات الخيزرانة المتتابعة.

تراجع

الخيول الراكضة

ناصر العبد لم يعد يفهم، كان يرى الحياة ساكنة، كان يلمس الحياة ساكنة، ولكنه عرف، بطريقة ما، غامضة، إنها ليست ساكنة كما تبدو.

ناصر العبد يسكن غرفة صغيرة بجانب الباب الحديدي الثقيل لبيت الوالي، تأتيه جميع وجباته من داخل البيت ساخنة ومغطاة، ويصب القهوة واقفا للضيوف في المجلس الفسيح المزين بصور خيول راكضة، ويفتح الباب الحديدي للسيارات الهامة، ويسافر كل خميس لزيارة أسرته الكبيرة، حدث هذا حين كان في الثامنة عشرة، ومازال يحدث إلى اليوم، يتغير الوالي،تتغير الوجبات، تتغير السيارات،ودرجة تركيز القهوة،والذي لا يتغير البتة هو حياة ناصر العبد.. تبهت صور الخيول في اللوحة، يصدأ الباب الحديدي فيدهن من جديد، يمتلئ الحوش الواسع بالحصى ثم بالاسمنت ثم بالانترلوك الأحمر، تضاف غرفة أو غرفتان شرقي المنزل، يدعوه أحد الولاة:"العسكري"، يدعوه آخر:"الحارس"، يدعوه ثالث:"المقهوي"، ولكن أحدا قط لم يدعه باسمه:"ناصر العبد"، وناصر العبد لا يعنيه ذلك كله وقد اعتاده كأنفاسه، ولكنه منذ زمن لا يستطيع تحديده أحس بأنه لم يعد يفهم، وأن الحياة ليست دائرة واحدة بلا زوايا، وأزعج ناصر العبد المعتاد على وضوح دهان الباب وصراحة طعم القهوة وصوت زوجه الجهوري- أزعجه هذا التشويش وعدم الفهم.

لم يؤمن ناصر العبد منذ أن كان صبيا أن الأحداث تغير سكون الحياة أو تعيق استمراريتها، ولن يؤمن به الآن. يتغير الولاة، يموت والده، تنجب زوجه الذكر المنتظر بعد ست بنات، تتيبس أكبر النخلات بفعل المحل، تتغير وجوه شاربي القهوة وأصواتهم، ولا يتغير ناصر العبد، فالحياة، كما كانت ، تستمر، بعد تحية الوالي الجديد، ودفن أبيه، ونحر الكبش عن ابنه، وقطع النخل اليابس، واعتياد الوجوه والأصوات الجديدة، تستمر الحياة، كما كانت، ولا شيء، البتة، يجعلها تكف عن كونها دائرة متصلة.

لكن ناصر العبد أخذ يستيقظ مؤخرا قبيل الفجر مليئا بالشك والقلق الغامض.

ندى التي كان يراها منذ انتقل والدها للبيت الكبير كانت في الثامنة،حملها مرة أو مرتين على كتفه لتصل لنارنجة ناضجة أعلى الشجرة، وأغلق الباب الحديدي مرارا دون دراجتها الطائشة ، لمَّ حلواها المتساقطة من جيبها يوما، وأعاد لها شريط شعرها الذي سقط أثناء انطلاقها راكضة، ندى الصغيرة المتجهمة طالت فجأة والتمعت عيناها، ولمح ناصر العبد فيهما السحر بغتة،  السحر الذي باغته فأفقده السكينة.

يداها طويلتان طولا ملفتا، ويحمل معصمها دائما أساور ملونة بصخب، وعندما يغمض ناصر العبد عينيه كان يرى هذه الالتماعات الملونة تومض وتنطفئ بلا توقف.

في كل جمعة يتوضأ ناصر العبد من الفلج، يشمر أكمامه ويتم وضوءه في دقائق. لكن الفلج بمائه الجاري ، وطحالبه الخضراء، وأسماكه الصغيرة جدا، أصبح يدفع ناصر العبد لإطالة دقائق وضوئه، وحين يغمض عينيه كانت الأسماك الصغيرة جدا تنسل بين الشقوق على جانبي الفلج، وتغير ألوانها السوداء إلى فضية لامعة. سيعود ناصر العبد مساء كل جمعة إلى غرفته بجانب الباب الحديدي، سينسى الأحداديث المتكررة التي تبادلها مع زوجه وبناته وابنه الأصغر ، سينسى شكاوى أمه المقعدة، سينسى النقاشات حول النخل والمحل والمحصول، وسيتذكر فقط الماء الجاري في الفلج ، سيتذكر انخفاض منسوبه والالتماعات الفضية ، وسيخاف من اهتزاز يقينه بسكون الحياة، وحين يفتش عن الأحداث سيعرف ألا أحداث هناك، الحياة فقط لم تعد تلك الدائرة المتصلة، إنها مائجة كثيرا كثيرا لدرجة تحرم ناصر العبد – الذي لم تتغير أبدا تفصيلات يومه- من النوم.

لم يكن يرى ندى أكثر من مرة أو مرتين في الإسبوع، فلم تكن ميالة للخروج ولا للتريض حول البيت في دورات لانهائية كما تفعل أمها، وقد كبرت على الدراجة التي انزوت مهملة في غرفة المخزن، وناصر العبد الذي يحرس البيت ويقدم القهوة للضيوف ويسافر كل خميس لأسرته الكبيرة لم يعد يفهم.

كانت السماء السوداء ممتلئة بآلاف النجوم المضيئة، افترش ناصر العبد الدكة الحجرية في مدخل غرفته، نسيم بارد حرك شعره الذي طال قليلا، ظل ممسكا كوب الشاي بكلتا يديه، متأملا التماعات النجوم البعيدة، قالت ابنته يوم الجمعة المنصرم إن النجوم ليست ثابتة مهما بدت لنا كذلك.

برد الشاي، قال ناصر العبد لنفسه:"إذا كانت الأحداث لا تغير الحياة فما الذي يغيرها؟"..مرر أصابعه على وجهه وابتسم:"السن؟.." ، إنه لم يبلغ الأربعين بعد، والأمراض التي يسمع بها في مجلس الوالي كأنها آتية من كوكب آخر، إنه أشبه في قوته بالخيول الراكضة في اللوحة.

بُهِت ناصر العبد، انكب كوب الشاي في الأرض، وقد انتبه فجأة لانطفاء عيون الخيول في اللوحة. عندما أغمض عينيه تمثلت له اللوحة بلا ألوان تقريبا.

تراجع

العرس

سلومة جالسة على كرسيها ، ظهرها مستند بكامله على المسند ، ورأسها لا بالمرفوع ولا بالمطأطئ ، يداها على حجرها بالخواتم الذهبية والفضية والأساور والخرز، وقدماها ثابتتان على الأرض بخلاخيلهما، وعلى فمها شبه ابتسامة، كأن فيها من الرضا والمباركة شيئا ، أما نظرتها فثابتة، ممتدة على مدى أفقي ، لا تكاد ترمش ، في رنو مسترخٍ على العروس.

وطوال فترة الحفل التي امتدت لأكثر من ساعتين لم تتحرك سلومة من مكانها ، ولم تحرك طرفا من أطرافها ، ولم تتغير ابتسامتها المطمئنة وجلستها الواثقة ، كأنها قد خلقت لذلك الكرسي، وطوال حياتها لم تعش في غير هذا المكان ، كأن سلومة قد وجدت هناك منذ الأزل فوجودها متصل وسيتصل أبدا.

لم تحظَ سلومة في حياتها – التي حظيت بعشرة رجال على الأقل – بعرس كهذا ،لم تجلس قط على "كوشة" مهفهفة الستائر ولم يخطر ببال أحد من عرسانها أن يجلس بجانبها ويمسك يدها أمام الناس ، في كل مرة كانت تزف مغطاة من قمة رأسها إلى أخمص قدميها بشال أخضر ثقيل ، موشى بخيوط ذهبية أو غير موشى – حسب غنى العريس – ومضغوطة الجسد بين أجساد النساء الضاجة بالصخب والغناء ، تزف رأسا من بيتها إلى بيته ، حيث تُفرَش زاوية ما بسجادة صغيرة ، تقعد عليها لا تكاد تتنفس من ثقل شالها الأخضر ، وحولها النساء حلقات على الأرض أمام صواني الحلوى ودلال القهوة المرة ، وما إن يظهر موكب الرجل حتى تتلاشى مواكب النساء ، ينفض السامر ، فلا يرى غيره نظراتها القاطرة دلالا وعاصفة الأساور والقلائد والحروز والخلاخيل الذهبية والفضية والبلاستيكية الملونة التي لا تنوء سلومة أبدا بحملها.

هذه الليلة ، على هذا الكرسي الذي صنع لأجلها ، تتجلى سلومة في ألق بهائها ، عيناها الناعستان – طبعا أو تطبعا – المكحولتان بالكحل البلدي الأسود، مستكينتان على العروس ، والعكفة[1] تبرز حجم ضفائرها من تحت غطاء الرأس المنقوش ، والبدلة[2] الذهبية على شكل وردة جزء لا يتجزأ من أنفها ، وهذه الثقة ..آه هذه الثقة ، لا ريب أن دجاجاتها التسع نائمات الآن ، فقد قامت فجرا بتنظيف قنهن وجمع البيض ، وأفرغت ما تبقى من صحن الرز أمامهن ظهرا قبل أن تبدأ بالاستعداد للعرس وترتقي حافلة المدعوات الذاهبة رأسا إلى قاعة الاحتفالات في جمعية المرأة بمسقط.

ابتسامتها الخفيفة لا تروم تزحزحا عن فمها،ولا تكشف – إلا بقدر طفيف- عن تجاعيد قليلة تزين ذلك الفم ، لا ..لا من سخرية في هذه الابتسامة بل رضا ومباركة ، لقد كسبت عدة ريالات من بيعها البيض الطازج ، وهذه الدشداشة الهدية الوحيدة التي تلقتها من ابنتها التي تزورها مرة كل عيد ، أبوها هو الرابع ، لاحق سلومة – متدلها بمشيتها-  أشهرا في الضواحي والأفلاج والسكك الضيقة حتى رضيت به، لأجلها هجر بلده وزوجته الأولى وأقام معها .

بدأ توزيع الطعام ، وضعت الصحون والسكاكين والشوك على الطاولات ، وبدأت أطباق المشاوي والكيك والمعجنات تدور على سلومة التي لم تعرها أدنى التفاتة ، ظلت بجلستها الثابتة ، ونظرتها المسترخية على العروس الممسكة بباقة ورد طبيعية ، وحين عزمت عليها المضيفات ، بدأت تأكل بالشوكة كأنما أكلت بها طوال حياتها ، واختارت شراب "شاني" الذي صبغ شفتيها بالحمرة ، وكلما ارتفعت يدها أو هبطت رنَّت الأساور وأصدر العاضد[3] المخفي تحت كم الدشداشة صوته المموسق ذا التاريخ المشهود في خلب الألباب.

حين نتغامز عليها ضاحكين:" هيه ياسلومة, وأبو البنت ,لماذا تركك هو الآخر؟",تفرد ظهرها، تضع يدها على وسطها, وترمش بعينيها, فنهتف قبلها :"حسد!" ,فتبتسم بجذل, وتضرب فخذها مؤكدة على كلامنا:" إيه والله حسد, كل يوم أجد الشعر والعظام والخيوط السوداء مدفونة أمام بيتي , ماذا يحسدون مني؟..أنا مريضة ووحيدة..", فنبادر إلى القول إنه ليس هناك من هو أكثر صحة منها , فقد تخطت الستين، وماتزال مشيتها الساحرة تثير تصفيرا من هنا وصيحة من هناك..فيشرق وجه سلومة بالبهجة فرحا بمزاعمنا ، وتؤكد أنها ماتزال تتلقى عروضا للزواج، ترفضها، فكلهم عجائز لايصلحون لشيء غير التذمر..

تمسح سلومة فمها بمنديل ورقي، تبدأ النساء حولها بتسوية ملابسهن وزينتهن، تخرج المرايا الصغيرة من الحقائب اللامعة ،تمرر الفراشي الدقيقة على الحواجب، يُعاد صبغ الشفاه، تُكثَّف طبقات البودرة، تمسد بعض الشعور المنسابة بخفة، ولا تملك سلومة- المضمخة الجبين بماء الزعفران -  أي حقيبة يد، ولم تكن بحاجة إليها قط، ولاتلتفت إليهن، بل إلى العروس التي لم تتحرك من أمام الكاميرا.

انسابت النساء في حلقات للرقص، تبدأ كل حلقة بمجموعة صغيرة تكبر تلقائيا مع كلمات الغناء المختلطة ببعض الكلمات السواحيلية، وسلومة لاتفهم هذه اللغة على الرغم من أن أحد أزواجها كان يجيدها، ولكن زواجهما لم يدم أكثر من أشهر، يحلو لها أحيانا- في بعض جلسات النساء ضحى- أن تقلده: تستلقي فجأة على ظهرها، تضع رجلا على رجل، وتتكلم بصوت خشن محاكية لهجته تماما:" لا والله لم أرتح مع امرأة أكثر منك يا سلومة.. أنتِ نعمة..أنت عطية.. أين أنتِ من زمان؟.. آه.. خذي المندوس.. خذي الحمارة..خذي النخلات.. أين كنتِ ياامرأة؟.." ثم تعتدل جالسة وتضحك:" وبعد أن وضعت الولد ذهب، وذهبت النخلات والحمارة.. حسد.. كلما جاء البيت ولم يجدني, قالت الحاسدات: ذهبت مع عشاقها.. كذب..يحسدنني.. علام؟..أنا مريضة ووحيدة.." وتبتسم غامزة بعينيها، فنبادر إلى القول :"أنتِ بألف صحة وعافية.. ولستِ وحيدة فقد خرج ولدكِ من السجن.. سيتزوج .. وتشاهدين أولاده.."، هل يخطر ببالها الآن تحت هذه الأضواء الملونة الراقصة ووقع الكلمات المغناة صور أحفادها المرتقبين؟ أتفكر فيمن سيشبهون: ولدها الوسيم كأبيه أم أمهم التي ستكون هندية على الأرجح اختصارا للتكاليف؟ ليس بوسعها إقامة حفل زفاف كهذا لولدها, ولا حتى حفل تقليدي، سيتزوج بهدوء وسترى أولاده.. أما ولدها الآخر فلا حلّت عليه الرحمة، لم تره منذ سنوات، ذهب يوم ذهب أبوه- السابع الذي ابتنى بها في سنة المحل- ولم يسأل.

انسحبت النساء من حلقات الرقص وتهالكن على الكراسي، تململت العروس قليلا، وحدقت في الباب, خفتت أصوات الغناء وبدأت بعض المدعوات بالانسحاب، وظلت سلومة مستندة براحة على الكرسي ومبتسمة بطمأنينة لا تشوبها شائبة، وحين أسرت لها جارتها إن الحافلة ستتحرك عائدة إلى البلد، نهضت أخيرا باستقامة كأن آلام "الديسك" لم تعذبها قط، مشت صاعدة إلى الكوشة، وضعت يدها على رأس العروس التي طأطأت قليلا خوفا على تسريحة شعرها، تمتمت سلومة بالفاتحة، ثم سارت - بمشيتها تلك التي جعلتها عروسا عشر مرات- وسط القاعة المزدانة، وخرجت إلى الحافلة.


[1]   العكفة : تسريحة تقليدية ، يشد فيها الشعر في ضفيرتين متقاطعتين إلى الأعلى ، بعد دهنه ب"العطرة" ، وهي مسحوق نباتات عطرية كالآس والكافور والورد مع مزيج ذائب من التمر والمسك وزيت السمسم.

[2]  البدلة: حلية للزينة توضع على الأنف.

[3]  العاضد : أسورة تشبه الخلخال تلبس أعلى الساعد وتصدر صوتا مميزا.

تراجع

المحبوب


 

يهب رجب العالي من كرسيه الهزاز إثر إحدى غفواته المتقطعة ، يقف لاهثا ، متصببا عرقا أمام النافذة ، يحدق في شجرة المانجو الضخمة التي أرسلت أذرعتها من جدار الجيران إلى ساحة بيته ، يراها في السحر كأنما غشيت بزرقة قاتمة ، ويبصر أشباح ثمارها منحنية بظلال كبيرة ، ويستعيد الرؤيا التي توقظه:

الفتى النحيل الأسمر يصفر بمرح في السكة بين الدكان وثلاجة الماء العمومية ، تبدو كظهيرة قائظة والفتى قد عبَّ لتوه من الماء البارد ، ورغم ذلك فإن الرؤيا تأتيه دائما مجللة بغبش ، ويستيقظ منها شديد الظمأ ، الفتى الذي يجهد زغب خفيف أن يعلو شاربه يتوقف عن التصفير حين تمر عن يساره تماما تلميذة عائدة لتوها من المدرسة ، تحمل حقيبة حمراء مكتظة بالكتب ، وينسكب زيها المدرسي بسلاسة على جسدها ، كل شيء غائم ، لكن لون الحقيبة والتماعة عينها الكوكبية هما أكثر الأشياء وضوحا في العالم لرجب العالي، وكلما تكررت الرؤيا وسمع همس الفتاة -التي اختفت بعد لحظة كأي جنية – تأكد رجب العالي ألا شيء قد عاشه في حياته كلها أشد وضوحا من لون حقيبتها الأحمر والتماعة عينها، ولا شيء أشد غموضا من همسها المضطرب ، لقد قالت شيئا ما ، لا يتبينه ، لم يتبينه قط ، واختفت ، والفتى الممسوس بغتة ، الذي يراها للمرة الأولى منذ انتقل أهلها إلى حيهم ، الفتى يستيقظ من غفواته كهلا ، ويعمد بدأب إلى حفر ذاكرته ورؤياه لاستحضار الهمس المبهم ، وعبثا ما يحاول.

ساءلها عن همسها مرارا ، فلم تتذكر ، عجب كيف يتأتى لها ألا تتذكر ، ببساطة ، كأن الأمر لا يعني شيئا ، كأن عينها لم تلتمع ذلك اليوم ، كأنها لم تهمس ذياك الهمس النعيمي الذي غير دنياه ، أصر أنها تعبث بذاكرتها عمدا ، تطمر تلك اللحظة ليظل سلاحها مشهورا فوق رأسه ، هز كتفيها ، نهش طرف أذنها بيأس:"قلتِ..قلتِ، تذكرين، قرب الثلاجة.."

فسال خيط رفيع من الدم على الرقبة التي عبدها ودنسها ، والمرأة التي تسللت الشعرات البيض إلى مفرقها قامت لتمسحه بهدوء.

يحدق في أوراق الشجرة المستطيلة وحوافها المثلثة وقد ألقى عليها الفجر نورا واهنا، يعرف إنها مرت عن يساره تماما ، جهة قلبه ، وحينما حاذته غرست تلك اللمعة في قلبه المجاور ، سددتها بحذق مع ذلك الهمس الملعون ، وذهبت الجنية ، واليوم ، اليوم تقول:" لا أتذكر..لم أكن أمر في السكة بين الدكان والثلاجة.." ، وأنا ، المذعور ، الممسوس ، الموسوس ، المصاب في الغور الأبعد من أعماقي ، لا أنام ، أشرق بغموض همستها ، كيف تنكر؟..حقيبتها حمراء ، والسكة معفرة ، وهمست..همست لي ..حين حاذت قلبي ..وهناك لمعت عينها بكبرياء..وتقول:لم أمتلك حقيبة حمراء .

أوراق الشجرة تنوس بنسائم خفيفة ، يبدو لرجب العالي أن همه مكتنز بين زواياها المدببة ، وأن قوى مجهولة  لا يفهمها البشر الفانون تدحرجه في فقاعات الندى على سطحها الأخضر، لا يقوى على التشبث بشيء.

رجب العالي أحب البنت القاطنة في البيت الثالث بعد الدكان ، وقضى مراهقته كلها مرابطا أمام الباب الخشبي للبيت أو ماشيا في حلقات لا نهائية حول جدرانه البيضاء ، واليوم وقد بزغت شعرات بيض في رأسه ماتزال صورة البنت محفورة فيه ، بزيها المدرسي الكحلي ، وربطة الكتب المطلة من حقيبتها الحمراء ، وأشرطة حذائها الأسود ، عرف دائما أنها ليست جميلة ، وبقي معذبا بنظرة الاستعلاء في عينيها.

في البدء لم يفهم لم ينفق ساعاته ماشيا على غير هدى ، لم يقعد على دكة الدكان محدقا في الفراغ لا يدخل جوفه غير الشاي المر ، لم يع القوة التي تهزه وتفجر فيه هذه اليقظة المحمومة ، لم يفهم رجب العالي إحساسه الغريب أنه يعيش في مكانين ، فأينما كان :في المدرسة ثم الكلية طالبا ، في الشركة والمقاهي موظفا ، كان دائما هناك ، حول البيت الأبيض ، لا يرى غير البنت بنظرتها المعذبة.

كل ذكرياته عن خطبتها ، واستعدادهما لحفل العرس ، وتجهيز البيت ، تبدو  مجرد خيوط باهتة مهترئة في نسيج ساطع محكم ، يزداد ألقا على مر الأعوام فتبهت هذه الخيوط أكثر فأكثر..هكذا تزوج رجب العالي ، وبعد سنة كانت له طفلة لا تشبهه ، وحين يرفعها من إبطيها متأملا وجهها كان يشعر بأنه ليس هنا، وأنه لا يراها ، لا يرى طفلته ، يرى البنت التي أصبحت زوجته .

في نسيجه المحكم الساطع لا وجود لكل الليالي التي يوقظ فيها زوجته ليسألها:أتحبه؟ .. لا وجود لهزة رأسها الموافقة وعودتها للنوم ، السطوع الحقيقي هو ما يراه في الصباح: عيناها المفتوحتان بنظرة الاستعلاء ، فعذابه ، وأرقه على كرسيه الهزاز يفكر في جنة محرمة ذات باب خشبي.

برغم أن عابرا ما قد أعطاه ما أطلق عليه "المفتاح الذهبي" يوم عرسه ، إلا أن قبضته قد صدئت على المفتاح دون أن تهتدي لموضع القفل.

قال العابر:" الراحة في الحياة الزوجية هي ألا تتوقع شيئا مطلقا..التوقعات..هي المسؤولة عن إفساد الحياة"

وجهد رجب العالي ألا يتوقع شيئا ، ثم جهد بعد سنين أن يتوقع شيئا محددا فعجز ، لم يدرك ما هو الشيء المحدد الذي ينبغي له توقعه.

كان رجب العالي معذبا بشعور مهيمن لا يدع له للسكينة سبيلا ، وكان وعي رجب العالي بماهية شعوره يلتهم تفكيره بصورة مخيفة ، صاغه لنفسه مرارا وهو يسلم جسده للسكك الخفيفة الإضاءة منذ الفجر ، أو يلقيه متأرجحا على الكرسي الهزاز طوال ليالي الأرق ، صاغ شعوره وقاله لنفسه حتى أتلفها:"العجز عن امتلاك المحبوب".

أيقن رجب العالي  أثناء سفرهما الأخير لدبي أنه توسل لهذه المرأة بكل ضروب العبادة بلا جدوى ، قبل أصابع قدميها ، أغرقها بأنفس الهدايا ، أسمعها ضروب الكلام الذي لا يقال لبشر ، وكلما نامت ، تحسس وجهها ، غرق في تأمله ، وسيطر عليه شعور العجز والخيبة.

ثم وصل لتلك الصياغة الأخيرة:"العجز عن امتلاك المحبوب" ، بعد دوامات عاتية من فقدان اليقين ، يهاتفها من العمل مرارا ، يسألها عن كل تفصيل في يومها ، يصر أن تطعمه بنفسها ، تحلق شعره ، تقص أظافره ، تخرج معه لأتفه المشاوير ،يحضنها حد الإيلام ، ولكنه كان قد عرف ما يعذبه: إنه يعجز عن امتلاكها ، رغبته العارمة تظل دائما منقوصة وغير مكتملة ، وهو يريدها ، يريدها له ، وهي ليست له ، رغم كل السنوات التي عاشا فيها معا.

يدور رجب العالي في غرف بيته ، منكوشٌ شعره الأشيب ، مهترئ قلبه ، يباغت زوجته النائمة ليغتصبها ، وحين تبكي يُسلم نفسه للخارج ، لا يحتمل صوت بكائها ، يدور في السكك ، تنبحه كلاب شاردة ، تضيعه العتمة فيعود إلى بيته ولا ينام.

كل هذه الليالي الثقيلة الغريبة لا تفعل شيئا غير تفجير آلامه الغامضة ، كلما أمعن في إنكار هذه المرأة التي يعيش معها أمعنت صورة الفتاة المدرسية في تمزيقه ، ضربها مرارا ، وكان وميض النظرة النافذة آخر ما يبصره قبل أن تسقط مغشيا عليها..كلا.. لم يكن لتحولات رجب العالي علاقة بصلاحه أو سوئه ، كان لها علاقة فقط بذاكرته ، التي أكملت تصفيتها ، وتخلت عن كل خطوطها الباهتة ، فلا يعرف نسجها الساطع غير الباب الخشبي والجدران البيض والبنت التي رمت الهمسة جهة قلبه وهناك تماما زرعت نظرتها الباقية ، ولا علاقة لكل ذلك بهذه المرأة المستسلمة له لأسباب تتعلق بالطبيعة الغريبة للبشر ، التي لم تحاول الهرب إلى بيت أهلها ولم تحرمه من الطفلة التي أصبحت في المدرسة ،  ولا تملك حقيبة حمراء.

لم يعد يقضي الليالي في بيته ، صاحب الأصدقاء وأشباههم ، أتقن ألعاب قتل الوقت كعدو، سافر ليتذوق الجديد ، لكنه لم يكن هناك ، كان في مكان آخر ، وشيء واحد فقط على هذا الكوكب التافه ظل يبوصل تفكيره بلا هوادة:"العجز عن امتلاك المحبوب" ، هذه هي الصياغة الأخيرة لعذاباته.

تراجع

حبة الفاصوليا

 

بدأ كل شيء في تلك الظهيرة من مارس الماضي، أتذكرها الآن كلوحة جامدة تماماً: الشمس المحتجبة خلف الغيوم البيضاء، البحر الفضي الثابت الموج، الرمل الناعم، الرخويات على الشاطئ، وأنا وهو واقفان مشتبكي الأيدي في مواجهة الموج الثابت.

كل شيء ساكن، وهذه اللوحة قد رسمت وانتهى الأمر، والشيء الوحيد المتحرك هو الغائب خلف أستار الألوان الثابتة لهذه اللوحة، هو الذي باغتني فجأة فاختلجت يدي في يده اختلاجة خفيفة جداً لم تؤثر مطلقا في هذا الثبات.

تحرك شيء صغير جداً في مكان خبيء جداً من قلبي، ولأسمي ذلك الشيء "حبة" فقد كان أشبه بذلك في الفضاء الفسيح لقلبي.

في أوائل يناير، حيث لم يبدأ أي شيء بعد، كانت الحركة مائجة، النساء المزوقات، وأطباق الطعام ترفع وتحط، وكلمات القاضي، ومقدم المهر، وكلمات الحب الكثيرة التي تبادلناها في زخم الأصوات، البهجة الظاهرة بعقد القران منذ قليل، والبهجة الخفية بموعد الزفاف في أغسطس المقبل، كانت أوائل يناير أشبه بسيل، بموج صاخب، برمال متحركة، بفلم سريع الإيقاع حيث لم يبدأ أي شيء بعد.

سيقول بعض المستاءين كلاماً مغرضاً من قبيل: "الصمت هو السبب"، وهذه مجرد إشاعة رخيصة، ففي تلك الظهيرة، كان المدقق في اللوحة سيرى أفواهنا مفتوحة، لا ريب أنَّ كلاماً لا صمتاً كان يخرج منها، قد يرى أيضا المسافة الصغيرة جداً بين كتفينا، وهذا يعني أننا نتحدث همساً، الذي لا يراه أحد هو الحبة، التي كانت قد بدأت تتململ في قلبي، وتجبرني على الشعور بها، الشعور الذي قاومته بضراوة، ولكن الحبة الناتئة كانت كحبة الفاصوليا تحت فراش الأميرة: حرمتها النوم.

في أغسطس جهز كل منا علب هداياه على حدة، لم يعد الأمر يخصنا، أصبحنا نشبه فريسة صغيرة تحيطها أذرع الأخطبوط من كل اتجاه، كان كل شيء يموج بالحركة: المفاوضات، الترتيبات، تبادل الهدايا، أفراد العائلتين، ولم يكن كل شيء قد انتهى بعد.

قالت أمه ـ لا ألومها ـ إنَّ شخصاً ثالثاً هو السبب، ولم أقل لها: " لو لم يكن هناك مكان للثالث لما كان"، لأنَّ كل الثالث الذي أعرفه هو الحبة، رغم طبقات الفراش الكثيفة أعلى حبة الفاصوليا  آلمت الحبة الأميرة وحرمتها النوم.

كل ما فعلته خلال تلك الأشهر هو محاولة تجاهلها، ردمها تحت طبقات كثيرة من الأستار، وكان انشغالي المفرط بقمعها هو الدليل الوحيد والدامغ لوجودها.

في تلك اللحظة، وعيناي مثبتتان على البحر الفضي، ويدي مثبتة في يده، كان صخب تدحرج الحبة في قلبي عالياً كارتطام قطعة معدنية في أرض صلبة، وحين أخذت تتبرعم، كانت توجعني رغم كل محاولاتي لطمرها، إنَّ براعمها وجذورها الدقيقة تحفر بدأب في تربة قلبي، متى عرفت ذلك؟  متى اكتشفت أنَّ الحبة بذرة؟

حين اشتد الوجع وقويت السيقان، ومزقت الفروع النامية جدران القلب، أصبح الكتمان عبثاً، والأكياس المصقولة المحملة بملابس العروس وعطورها عبئاً، ماذا أسمي تلك الأغصان الشوكية؟ نفوراً خفياً؟ رفضاً غامضاً؟ .. أم وعياً مُضبباً باختلاف عميق سيورث الخلاف لا شك؟!

ثمة محاورات كثيرة ومشادات أكثر قد اشتعلت من جراء تبرعم تلك البذرة، بيني وبين أناس كثر، وبينهم وبين آخرين، والقليل منها كان بيني وبينه، في أواخر أبريل لكزتني أختي الكبرى: "تذبلين باستمرار .. أهذا بهاء عروس بقي على عرسها أشهر قلائل؟"، ولم أقل: "لأن البذرة في قلبي تنمو باطراد"، وقالت أخته الصغرى: "أخي يبذل جهده لإسعادها"، ولم أقل: "من ينكر ذلك"، بعدها، قالت أخت أخرى: "أظلمك؟ .. أأساء لك؟ .."، قلت: " لا .. من يزعم ذلك؟ .."

ولكن يده تصبح ثقيلة جداً في يدي، أكاد لا أقوى على تحمل ضغطها، وجذور الشجرة الشوكية تترسخ في تربة قلبي، والجذوع تخترق جدرانه، وفي مايو رأى فروعها المخيفة تطل من عيني، أنَّى لي أنْ أردم كل ذلك؟

كل هذا النمو الوحشي يقول كلمة واحدة: "لا"، ولساني أضعف منها.

في يونيو ـ وقد أصبحت كل صباحاتي كصباح الأميرة الراقدة على حبة الفاصوليا: هالات سوداء تشي بأثر الأرق رغم طبقات الشراشف والكتمان ـ قلت: "لا".

وأصبحت فوراً المتكبرة الأنانية جاحدة الجميل، وعبثاً أشرح أنَّ شجرة النفور نمت دون زرع، وإني بشأنها عديمة الحيلة كالرخويات الملقاة على الشاطئ في تلك الظهيرة.

في منتصف يونيو أمام والدي ووالده المهيبين كان علي تقديم المبررات والتفسير: الشيء الذي لا أملكه، مجرد بذرة خفية سقطت في لوحة خامدة، تبرعمت ونمت وعذبتني بلا هوادة.

في يونيو ويوليو جلست في مقعد دوار، وكل من شاء دار بالمقعد دورة أو عشراً نابشاً في قلبي عن أصل البذرة، ولشدة الدوار أصبحت أرى أفواهاً متراكبة بعضها فوق بعض، وعيونا متراكبة تفيض بالاتهام، وقد سقى كل هؤلاء ـ المعنيون بالأمر ـ شجرة رفضي خير سقيا، كما استفز جذوعها الضخمة لطفه المتعمد وتمسكه القتالي بي .

في يناير كانت فرحتنا تشبه طفلة تدخل الملاهي للمرة الأولى: في غمرة انبهارها بالألعاب نسيت أنْ ثوبها ممزق، وفي يوليو كان عذابي يشبه الطفلة التي تفطنت لثوبها وأرادت الخروج من مكان لم يصنع لها فطوقها كل شيء مانعاً إياها.

في أواخر أغسطس تكاد اللوحة تهتز لفرط الغادين والرائحين: النساء المزوقات كما في جميع الأوقات، مقدم المهر العائد، الهدايا العائدة، الشجارات اللازمة للتسوية، ولم ينته كل شيء بعد.

تراجع

زجاج

 

في السجلات الرسمية لإدارة المركز الصحي كان التعليل للعقوبة الحائقة بالموظف سعيد بن سالم بن سلمان هو "المخالفة للآداب العامة"، وفي ردهات المركز وبين أفواه الممرضات والموظفين كان كنه العقوبة غائماً، فعلى لسان الممرضة فتحية هو النقل لمركز قصي، أما قاسم زميل سعيد فيؤكد أنه الفصل التام، وعيسى الموظف في المختبر يرجح أنه فصل تأديبي لبضعة أيام فقط، الشيء المؤكد أنَّ سعيد بن سالم بن سلمان الموظف في قسم المراجعين من المرضى انقطع عن العمل في المركز الصحي عقاباً له.                         

منذ الحادثة بدا أنَّ سعادةً مفاجئة حطت على قاسم، إذ بدا بشوشاً رائقَ المزاج، حتى دشداشته بدت أشد بياضاً وشاربه أكثر تشذيباً، ولم يعد بوسع أحد أنْ يَتصامم عن تصفيره المرح وهو داخل إلى ركن عمله المغطى بالزجاج مقابل باب المركز، وأصبحت يده ـ المتباطئة سابقاً ـ تُسرع في التقاط بطاقات المراجعين من الفتحة الدائرية الصغيرة في الزجاج الفاصل، وتنهي ـ بدقة ـ إدخال المعلومات المطلوبة إلى الحاسوب، باختصار أصبح قاسم شخصاً آخر.

في الأيام التي لا تصادف مواسم تبدل الطقس، أو ازدياد الحوامل، أو امتحانات الطلبة الدورية، يجد قاسم متسعاً من الوقت ليترشف شايه على مهل مُحدقاً في الأشكال اللانهائية التي تظهر على شاشة الحاسوب أمامه. في مرة أراد الخروج لشرب الشاي مع عيسى في المختبر أو حمد في الصيدلية إلا أنَّ المسئول الإداري لفت نظره بلطف إلى ضرورة ملازمته مكان عمله لاسيما أنَّ سيدة متذمرة كانت قد وصلت لتوها وأسندت مرفقيها إلى الرف الذي توضع فيه البطاقات وهي تنقر الزجاج بأصابعها، ابتسم قاسم وهو يعتذر لها فلم تتكلم بل مدت يدها بالبطاقة، أدخل قاسم المعلومات المطلوبة في الحاسوب، ودلها بصوت عال على الممر المؤدي لقاعة الانتظار، فرمقته باستهجان، واستدارت.

في المساء وهو يطفئ جهاز التلفزيون ويضبط ساعة المنبه فَكَّرَ أن الأصوات العالية غير مرغوبة، وفي اليوم التالي قضى ساعتين يحدق في الأشكال الهندسية على شاشة الحاسوب: دوائر تتسع لتعود تصغر من جديد، مربعات تتوالد، تتداخل ثم تتلاشى، مثلثات بزوايا قائمة وألوان متداخلة تظهر وتختفي .. حتى دخل إلى المركز رجل يقود طفلاً شاحباً، هتف قاسم: "خير إنشاء الله"، نظر الرجل إلى شعر طفله وربت عليه بيد فيما زجت يده الأخرى البطاقة من الفتحة الدائرية في الزجاج، ارتبك قاسم وهو يتذكر أنَّ الأصوات العالية غير مرغوبة، بعد ساعة خرج الرجل من المركز حاملاً الطفل على كتفه.

غادر قاسم المركز في الساعة الثانية والنصف، هرول للحاق بالممرضة فتحية  قال ونظراته ساهمة في وجنتيها المكتنزتين : "ألن يعود سعيد؟.."

ابتسمت: "لا أظن .. أعتقد أنه نُقِلَ إلى مركز آخر.. خلا لك الجو .."

قال بضيق: "لا.. لا.. عندما كان موجوداً كنت أتجول في المركز بحرية .. وأكلم من أريد .. أما الآن .."

ازدادت ابتسامتها اتساعا: "آه يا قاسم .. واضح أنك مرتاح لغيابه .."

خُيَّلَ إليه أنها تحد النظر في شاربه .. هذه العانس الماكرة، تعرف أنه مطلق وتحاول الإيقاع به، تصر دائماً أنْ تظهر بمظهر العارف ببواطن الأمور، ألا تفهم أنَّ هذا لا يروقه؟

توقف قاسم عن التصفير حين أيقن أنْ لا أحد يرد على تحيته، فضلاً عن المبادرة بها، وبدأ يعتاد التحديق الصامت في الأشكال الهندسية على الشاشة أو في الأشكال البشرية خلف الزجاج: صبايا متأنقات لا أثر للمرض على وجوههن المصبوغة بعناية، أطفال مشعثو الرؤوس متعلقو الأيدي بعباءات أمهاتهم أو دشاديش آبائهم، صبيان متجهمون، رضع باكون في أحضان نساء غاضبات، شيوخ ضجرون، عجائز يعرجن، طلبة فارون من المدارس، رجال متألمون .. لا يكاد يرى أياديهم وهي تقذف البطاقات من الفتحة الدائرية، يقفون ثوانٍ أمامه ينظرون إما إلى بطاقاتهم، أو إلى جهاز الحاسوب المائل باتجاه قاسم الذي لم يعد يعنى كثيراً بتشذيب شاربه.

رغم أنه متأكد من نظافة الزجاج إلا أنه عاود مسحه المرة بعد الأخرى، اكتشف أنه لا يستطيع التقاط تفاصيل دقيقة في هؤلاء المرضى العابرين، يرى هيئاتهم كاملة وهم يدخلون من باب المركز المواجه له، ثم يلمح أجسادهم النصفية وهم واقفون خلف الزجاج للحظات قليلة فشل أنْ يُطيلها، لا يرى أياديهم، ويذهبون بشفاه مزمومة هي كل ما يعلق بذاكرته وينجح في استعادته وهو ممدد  في فراشه باكراً كل ليلة.

في الثانية والنصف أسرع وراء فتحية: "هل رأيت الحلقة الجديدة من مسلسل البارحة؟.."، مشت دون أنْ تلتفت، صاح: "فتحية!.."، فرفعت يدها سامحة لعينيه أنْ تتملى من خاتم جديد يزين إصبعها، ضرب برجله الأرض: "هكذا إذن.."، في الظلام وهو يحدق في عقارب الساعة الفسفورية فكر أنَّ أحداً ما لا بد أنْ يكون قد شاهد الحلقة الجديدة من المسلسل.

رغم أنه مسح الزجاج بنفسه إلا أنَّ ضباباً ما يبدو مُغلفاً للأشياء في الخارج، الناس يأتون ويذهبون كالطيوف، ورغم أنه يلمس بطاقاتهم بيده، إلا أنَّ شكَّاً بوجودهم ينمو بداخله يوماً بعد يوم، لكأن هذا الزجاج عازل للصوت، حتى بكاء الأطفال لم يعد يسمعه، وعاد لدشداشته لونها القديم.

كانت تؤرقه احتمالية أنْ ينتحر البطل في المسلسل الذي بدأ منذ يومين فقط، رأى الطيوف العابرة خلف الزجاج، لمح العباءات السوداء والدشاديش البيضاء وسيل الألوان الأخرى، قال لصبي وهو يتناول بطاقته : "هل سينتحر البطل في المسلسل؟"،  فحك الصبي أنفه مواصلاً النظر إلى نقطة ما أعلى رأس قاسم، وكذلك فعلت العجوز المرتعشة حين وجه لها السؤال نفسه بصوت مرتفع، فشك قاسم في كونه هو غير مرئي وليس هذه الطيوف ذات الأسماء المدونة على بطاقات حقيقية.

ظل أياما يجرب تحريك شفتيه دون جدوى، يجرب تحديد الأشكال البشرية في خطوط ساكنة على الفضاء قبالته، يجرب إصغاء السمع والتقاط الملامح، غير أنَّ عبور صوت ما خلال هذا الزجاج بدا ضرباً من المستحيل، إنَّ هذه الطيوف مجرد خيالات عابرة لم توجد قط.

في نوبة يأس ـ وقد انتحر البطل فعلاً دون أنْ يعرف أحد أنَّ قاسماً كان يعرف ذلك ـ اندفعت يد قاسم من الفتحة الدائرية في الزجاج لتقبض على يد المريض بدلاً من بطاقته، ضغط اليد بقوة في يده، أحس حرارتها وجس نبضها، شعر بملمس عروقها ساخنة حية تحت أصابعه، فرك اليد في يده بعنف ولم يُفلتها مما دفع المريض للصراخ طلباً للمساعدة.

لم يعاقب قاسم بالفصل أو النقل إذ أنَّ طالعه الحسن أوقع يده في يد رجل، وليس في يد فتاة حسناء تأوهت بألم  واشتكت بغضبٍ من قبضة الموظف سعيد بن سالم بن سلمان. 

تراجع

صبي على السطح


 

تلفت الصبي فلم ير أحدا وراءه، انسرب من سكة لأخرى، أسلمته الأزقة المظلمة للأشد إظلاما، اقترب من بيت العرس فدار حول نفسه فرحا بالأصوات والأنوار، التصق بالجدار سائرا على أطراف أصابعه مبتعدا عن مجلس الرجال المنفصل حيث فاحت روائح القهوة والحلوى الساخنة ،اجتاز الممر المترب بين المجلس والحوش، تناهت إلى سمعه أصوات ضحك النساء وغنائهن، فتأكد  أن الحفلة تقام في الهواء الطلق، وبدأ في تسلق الجدار.

جسده الضئيل لا يشي بأعوامه الثلاثة عشر، أمسك طرف دشداشته بفمه وهو يتسلق الجدار بخفة، زحف بهدوء حتى سطح المخزن، دعس شيئا من الليمون المجفف هناك فلعن أصحاب الدار، ظل منبطحا على بطنه في حين أطل برأسه على حذر فلم ير غير منظر جزئي للحوش المضاء بمصابيح النيون، والمراوح المثبتة على الأرض بقواعد طويلة، وبعض النساء يخطرن حاملات صواني الطعام أو مجامر البخور أو مراش ماء الورد. الأغاني تملؤه، يعرف أنهن يرقصن الآن ولكنه لا يتمكن من الرؤية، تأفف، تلفت، ثم زحف بتهور من سطح المخزن إلى سطح المطبخ الأوطأ، ضاعت ضجة قفزته في الأصوات المختلطة، أصبحت حلقة الرقص على بعد أمتار قليلة، عيناه الضيقتان تتنقلان بحرية بين أجساد البنات الراقصة ووجوههن الفرحة، يهز رقبته وكتفيه، ويدندن بصوت خافت، يرسل بصره إلى صواني العيش واللحم، يتلمظ، ثم يعود ليتابع الخصور المهتزة في الفساتين المطرزة، ينظر إلى الجهة المقابلة فلا يرى شيئا من العروس المغطاة بالكامل، يهز رأسه مع الصوت الشجي :"عند العصر يا الكوس هبي، والزين روح عني مغرب ، ومن بعده ما صفا لي محب.."، يرقصن فرادى ومجموعات ، كلما تعبت واحدة عادت لتقعد وقامت أخرى غيرها، الصبي يصفر بمرح تصفيرا خافتا متقطعا، ويطأطئ رأسه بين الفينة والأخرى حذرا من ضبطه في هذا الكون الجميل المحظور.

اتجهت إحدى البنات بخطوات راقصة إلى امرأة تجلس في طرف الحلقة وسحبتها من يدها،  فألفت المرأة التي على حافة الثلاثين نفسها وسط الأجساد النحيلة الراقصة، أخذت تضبط إيقاعات جسدها الطويل المائل للامتلاء شيئا فشيئا، أبصرها الصبي في الحلقة بغتة فلم يبصر ما عداها، بهذا الفستان الفيروزي الطويل الأكمام، واللحاف اللامع، لم يرها وهي تنهض، لم يرها وهي تحاول ضبط إيقاعها، رآها وسط الحلقة، ترقص، مستغرقة في ذاتها، يداها مطوحتان في الهواء، وكل ذرة في جسدها منقادة بلا حول لإيقاع الغناء، أبصرها الصبي فحاول أن يتملاها، زحف على يديه وركبتيه غير آبه بأي عين طائشة قد تلمحه، أطل برأسه الصغير من فوق الحلقة تماما، بحث عن عينيها ولكنه لم يرهما، كانتا غائبتين، وكانت نهشة العشق الصاعقة قد أطبقت أنيابها على روح الصبي، وحدها كانت هناك، وحدها تهز كتفيها بهذا التناغم المدهش، وحدها يتمايل جذعها بلمح البصر، ووحدها دقت بأقدامها الأرض ففتت أصابعهما الحافية قلب الصبي، وحدها كانت، ووحدها ستظل إلى الأبد، والعالم كله قد تلاشى واضمحل ليبعث بين أصابع قدميها، مد الصبي جذعه للأمام، جف حلقه واللحاف يتزحزح عن رأسها شيئا فشيئا، انساب العرق من مفرق شعرها إلى رقبته، تفلتت الخصلات السوداء وتبعثرت، توتر جسد الصبي وتصلبت كل عضلة فيه وهو يرى خصلاتها تلتصق بجبينها ورقبتها، الرقبة الحليب، الرقبة الفضة، يلمع فيها العرق حتى يغسل حبة الخال أسفلها منحدرا إلى النحر، إلى النهر، تدور حول نفسها، تهبط متمايلة إلى الأرض، وترتفع مرتعشة إلى السماء، وحبة الخال تغتسل مرارا بخط العرق المتصل، الذهول يغيب الصبي كما يغيب عينيها، هتفت بنت بشجن:" شفت غزيل شارد بين الغزلان .."، حمل الغزال الصبي على ظهره وشردا معا، تسارعت إيقاعات المرأة وتثنت، كاد الصبي أن يبكي لمخالب الألم الصاعق من تموج جسدها ، جسدها الماء ، جسدها الموسيقى، جسدها النُّبل والنِّبال، جسدها الملتوي حول عنق الغزال، محكم الالتفاف عليه، خانقه، حتى ترنح متهاويا مسقطا الصبي عن ظهره محشورا بين جدارين موثقا بحبال العشق الغليظة.  

تراجع

على الكرسي الخشبي في الحديقة جلسنا


 

على الكرسي الخشبي في الحديقة .. جلسنا.

أنا في أقصى اليمين وهو في أقصى اليسار، كأن الكرسي لن يتوازن إلا بجلوسنا هكذا.

كانت الأشجار عالية والأعشاب ندية، وشمس دافئة تملأ المكان. قال لي: "أنا وحيد بلا أصدقاء، وسعيد بوحدتي"، قلت له: "أنا وحيدة بلا أصدقاء، وحزينة لوحدتي".

عدت لغرفتي الصغيرة، تحممتُ، كتبتُ واجباتي, ونمت.

في اليوم التالي جلسنا على الكرسي نفسه في الحديقة، كانت تصلنا أصوات أطفال يلعبون بالكرة.

قال: "لا أحب الأصدقاء، كل صديق هو مشروع خيانة مؤجل"

قلت: "أحب الأصدقاء، لكني فقط لا أجدهم"

تلاشت أصوات الأطفال، ومررت على البقالة لشراء الحليب والخبز قبل أنْ أعود إلى غرفتي.

هطل المطر غزيراً ولم أذهب للحديقة، في اليوم التالي قال لي: "انتظرتك أمس"

قلت له: "لم أستطع المجيء بسبب المطر، لماذا انتظرتني؟ هل نحن أصدقاء؟"

قال: "أخبرتك بأني لا أؤمن بالصداقة، خاصة بين الرجل والمرأة، إنها صيغة جبانة لمواجهة الحب".

لم أقل شيئاً. انعقدت سحب في السماء، خشيتُ من هطول مفاجئ للمطر، فعدت إلى غرفتي، شاهدت التلفزيون، ثم نمت.

على الكرسي الخشبي جلسنا، التفت إلي وحكى فجأة حكاية مؤلمة عن طفولته، التفتُ إليه وحكيتُ له حكاية سعيدة عن طفولتيُ ركل كرة الأطفال التي استقرت عند قدميه، وحكى لي حكاية أخرى.

في طريق عودتي مررتُ على المكتبة وقرأتُ بعض قصص الأطفال الملونة، اشتريتُ قهوة ساخنة من كشك في الطريق، ولاحظتُ أنَّ الجو يزداد برودة.

على الكرسي الخشبي تزحزحتُ قليلا من أقصى اليمين، وتزحزح هو من أقصى اليسار.

حكى لي حكاية أخرى مؤلمة عن طفولته وكوَّر قبضته ليريني كيف كان أبوه يضربه، خجلتُ أنْ أخبره أنَّ أبي لم يضربني قط، فأخبرته أنَّ أمي ضربتني أيضاً. بدأت حبات خفيفة من المطر تسيل على خشب الكرسي ولكني استرسلت في الحديث عن أمي.

حين عدت إلى غرفتي، حاولت مكالمتها ولكنها لم ترد على الهاتف. دهنت خبزا بالجبن، وأكلته مع الحليب. عرفت السؤال الذي سأسأله إياه غداً.

في الغد لوى جذعه قليلاً باتجاهي فبادرته بالسؤال: "كم مرة أحببت في حياتك؟"

قال بهدوء: "مرة واحدة، حين كنتُ في الثلاثين من عمري"

سمعتُ بوق سيارة الايس كريم، كان الجو مايزال بارداً لكني اشتريت كوزين لي وله.

أكلنا الآيس كريم ثم قال: "حين قبَّلتها لأول مرة أضاء وجهها الظلام، وكنت مفتونا بهذا"، جاءت شوكة صغيرة ووخزت قلبي وغابت فيه. قلت: "وبعدين؟" فاسترسل في الحكاية، حكى عن كل شيء، لون عينيها، وشحمة أذنها وإبطها وهجرها وقسوتها وجنته وجحيمه، وأضاء وجهه العتمة التي لم نلحظ هبوطها.

بكيتُ طوال الطريق إلى غرفتي، ونمتُ بملابسي.

في اليوم التالي لاحظت أنَّ الكرسي الخشبي مكرس لذكرى "ابنة حنون، رحلت باكرا"، لم تأت سيارة الآيس كريم وحكى لي عن شعرها وهاتفها وتحليقه العلوي بعد لقائها، وأضاء وجهه العتمة مرة أخرى.

قبل أنْ أنام قلَّبتُ ألبوم الصور، وكتبت رسالة مختصرة لأختي.

طلعت الشمس، أنهيت جميع واجباتي، وجلست في غرفتي أحدق في الشارع من نافذتي الصغيرة. قررت ألا أذهب للحديقة. جعت، لبست ملابسي وخرجت، أكلت سندويتش تونة في كافتيريا قريبة، وذهبت إلى الحديقة.

جلست في أقصى اليمين ووجدت قهوة في كوبين من البلاستيك بقربه، قال لي: "تأخرت، وبردت القهوة". أعدت ربط شريط حذائي الرياضي، وقال: "ماذا تفعلين هنا؟"، قلت: "أدرس، وأنت؟" قال: "أعمل".

لم نشرب القهوة الباردة، قال لي: "هناك ندرة من المحظوظين تصلهم هبة الحب"، نظرت في وجهه وقلت: "لا تقل محظوظين"، قال: "محظوظين"، قلت: "لا"، قال: "نعم"، وتشاجرنا. ثم حكيت له، حكيت له كل شيء: كيف رأيته للحظات قليلة، كيف قال إنه يحبني، كيف وعدني باللقاء في مدن كثيرة سافرت إليها كلها دون أنْ ألقاه، كيف كتبت له شوقي بدموعي ودمي في رسائل طويلة، وكيف وصلتني رسالة حبيبته التي تقول فيها إنها استمتعت معه بقراءة رسائلي. حكيت له أيضاً عن انهياري العصبي وبقائي في المستشفى.

تحرك قليلاً من أقصى اليمين، فسألته: "هل أقتله؟"، قال بثقة: "لا، إنه ميت أصلاً".

تنهدت، وحين عدت لغرفتي تصفحت مجلات مصورة، وجرائد، وشربت شوكولاته ساخنة قبل أنْ أنام.

وأنا أنام قلت لنفسي إننا متشابهان كثيراً ولذلك نجلس على نفس الكرسي كل يوم.

في اليوم التالي كان هناك فراغ من الخشب على يميني، وفراغ على يساره، وكنا نحكي عن كل شيء، ونضحك، ونسحق أكواب البلاستيك الفارغة بأيدينا، أراني صوره وهو طفل، وسألني عن رقم هاتفي، فلم أجب. حين قمت لأذهب قال لي: "أنا أيضا بقيت في المستشفى بعدما هجرتني دون سبب, وتجاهلت رسائلي الألف تناشدها العودة".

في غرفتي انتبهت أنَّ صورته وهو طفل تشبه صورة أخي الأصغر وأنه لم يكن يبتسم للكاميرا.

جئتُ متأخرة في اليوم التالي, فنظر إلي غاضباً ولم نتكلم، تعالت صيحات الأطفال وهم يلعبون الغميضة، وأحسست بالبرد، قال لي: "أين صورك؟"، قلت: "لم أقل إني سأحضرها"، فقال إني قاسية وقلت إنه عنيف، وذهبت إلى غرفتي، لم يكن في الثلاجة أي حليب أو عصير أو خبز، نمت جائعة.

مرت أيام كثيرة، والكرسي الخشبي تضيق فراغاته وتتسع حسب رضانا وسخطنا، ثم زاد سخطنا وأصبحنا نتشاجر على كل شيء ولا شيء، قلت له إنني تعبت من عنفه، وقال إنه تعب من حساسيتي.

غبتُ يومين لأجل الامتحانات وحين عدتُ كان عصبياً للغاية، قال: "تسافرين لذلك الشخص الكاذب في كل مدينة، وتذليني أنا هكذا بانتظارك"، كنت سأقول: "كتبت لها ألف رسالة، وتصرخ في أنا هكذا" لولا أنْ واتتني الانتباهة. ذهبت لغرفتي, مسحت خشب الطاولة والسرير بفوطة جافة، رميت الغسيل في الغسالة المشتركة، وأكلت فاصوليا وأنا أشاهد الصور المتحركة في التلفزيون مكتوم الصوت. عضضت على شفتي السفلى بقوة وأنا أدفن وجهي في الوسادة وأفكر أنه لا يوجد تبادل أدوار في الحياة الحقيقية.

انتهت الامتحانات، وبدأ الجو يتخلى عن برودته.

حين عدت للحديقة كان الكرسي الخشبي فارغاً.

تراجع

ما لن يأتي عبر النافذة

عصر هذا اليوم، كعصر كل يوم، مُستلقية أنا على سريري وحولي دفاتر تلميذاتي، في الرف على يميني النظارة والقلم الأحمر وكوب الشاي السادة، أرتاح من التصحيح، أرمي رأسي على الوسادة، وأحدق في السقف.

من نافذتي الكبيرة الوحيدة تدخل شمس الأصيل متكسرة بأشكال مربعة، وتدخل ـ ككل عصر ـ أصوات احتكاك عجلات الدراجة الثلاث بالأنترلوك في الحوش، وصياح أخي الصغير فرحاً بقفزات الدراجة الجديدة، وبين الفينة والأخرى تدخل تحذيرات أمي له من نافذتي أيضاً: "ملابسك .. يديك .. ركبتك .. انتبه .. لا تتسخ .. لا تدعس التمر .. لا تنقلب .." تدخل أصوات أخرى، غامضة، متقطعة، خافتة، مشروخة، لا تأتي من النافذة. تتحرك الستارة بنسائم بليلة، فأقلب الدفاتر بكسل، وتنبت تدويرات الحروف في عيني خطوطاً مُضجرة، غير أنها قريبة قرب الألفة.

يدخل من النافذة صوت أمي وهي تدندن أغنية قديمة، يتقطع الصوت فأخمن أنها منحنية على صواني التمر، تصف الرطب للشمس وتدخل اليابس المخزن، تصل بعض حروف الأغنية مطحونة  فأتصور تمرة في فم أمي تخالط الحروف، أترشف الشاي الذي برد الآن، أفكر في تلميذتي "سلوى" التي مات أخوها الرضيع ملدوغاً من يومين، أتخيل انحناءة رقبتها المطوقة بتعويذة وهي تطرق واجمة، أمنحها علامة مرتفعة .. "فووووب .. فووووب .." يبدو أنَّ أخي أكمل عدة دورات حول حوش بيتنا الواسع ويحاول الآن إيهام أمي بأنه سيمر على صواني التمر بدراجته ، "انتبه ..يا ولد .." أضحك في سري لهذه المناورة اليومية، وأهم بالخروج معهما بدل التململ في غرفتي، أحمل كوب الشاي الفارغ وأقفل الباب بالمفتاح خوفاً من هجوم أخي المباغت، أسير في الممر الفاصل بين غرفتي والصالة المطلة على الحوش، أقرأ ـ رغماً عني ـ الحكمة التي علقتها أمي في الممر: "احذر الكريم إذا أهنته، واحذر اللئيم إذا أكرمته"، كلما قرأتها تخيلت البشر يقفون في طابورين:  كرماء ولئام، أين سيقف الأطفال حينها؟

الممر طويل، دائماً أقول لأمي بأني لا أفهم تصميم بيتنا الغريب، في آخر الممر كان باب غرفة أختي مفتوحاً على غير العادة، فألقيت نظرة سريعة على الداخل محاولة ألا أتوقف، غير أنَّ أختي كانت بمواجهتي تماماً، وأشارت مباشرة إلى كوب الشاي، قلبته في الصحن لأريها أنه فارغ، فظلت تشير إليه وهي تزحف باتجاهي، صحت فيها: "إنه فارغ، فارغ"، اقتربت من الباب حيث أقف، فأومأت لها برأسي وذهبت إلى المطبخ لأملأه بالشاي، حين لمحتني عائدة كوَّرت جسدها بسرعة، مدّت رقبتها وظهرها إلى الأمام وهي تستند بكفيها حتى تمكنت من الجلوس، فضحكتْ بصوت خشن، ومدت إليّ يديها المرتجفتين، ناولتها الكوب فرفعته بحركة خرقاء إلى فمها، أصابعها جافة يكاد جلدها يتقشر، وأظافرها طويلة شاحبة، أزاحت الكوب وأخذت تنظر إليّ وهي تهمهم بصوت مشروخ: "آآآ.."، تذكرت أنَّ الشاي بلا سكر، في المطبخ وأنا أقلبه بالملعقة تذكرت أنها تصغرني بسنتين فقط، عدتُ إليها فجثوتُ على ركبتي بمواجهتها، أسقيتها إياه، فضحكت، ظلت أسنانها ترتطم بحافة الكوب، وحين سال بعضه من جانبي فمها مسحتُه بكمي، فاهتز جسدها في حركة لا إرادية، ومالت بجذعها إلى اليمين حتى انبطحت وانطلق لسانها بالأصوات السعيدة: "تع..تع..كع..تع.."، أرقدت رأسها في حجري، قدماها الصغيرتان انخرطتا في موجة تشنجية، تقلصت عضلات وجهها ولم تزحزح عينيها البنيتين عن وجهي، مسدت شعرها المحلوق فتساقطت القشرة على ركبتي، إصبعي مرَّ على خدها شديد النعومة، وجهها جديد، جديد تماماً، خداها قد شحبا، وعيناها تغيرت نظرتهما وأحاطتهما الهالات الداكنة، لقد كبرت، منذ سنين لم أتفرس فيها، منذ سنين أتجنب الدخول في الغرفة آخر الممر، أقف على الباب هاتفة: "صباح الخير رجاء"  أو "مساء الخير رجاء"، دون أن أنظر، لعلها في أحيان كثيرة لم تكن بالغرفة، لعل أمي تحممها في المسبح أو تُقعِدها أمام التلفزيون في الصالة، لم أرَ رجاء منذ سنوات، ووجهها جدي، تغيرت ملامح، وجسمها طال ونحف، نظرت إليّ رجاء بتمعن، لم تزحزح عينيها، سكتت، مدَّت ذراعيها المرتجفتين لتطوق رقبتي، فبكيت، لم يكن عصر هذا اليوم كعصر كل يوم.

تراجع

 

 

الرئيسية
الكاتبة
الكتابة
الصدى
صوتك
 

 جميع الحقوق محفوظة للكاتبة ©