|
على الكرسي الخشبي في الحديقة .. جلسنا.
أنا في أقصى اليمين وهو في أقصى اليسار، كأن الكرسي لن يتوازن
إلا بجلوسنا هكذا.
كانت الأشجار عالية والأعشاب ندية، وشمس دافئة تملأ المكان.
قال لي: "أنا وحيد بلا أصدقاء، وسعيد بوحدتي"، قلت له: "أنا
وحيدة بلا أصدقاء، وحزينة لوحدتي".
عدت لغرفتي الصغيرة، تحممتُ، كتبتُ واجباتي, ونمت.
في اليوم التالي جلسنا على الكرسي نفسه في الحديقة، كانت تصلنا
أصوات أطفال يلعبون بالكرة.
قال: "لا أحب الأصدقاء، كل صديق هو مشروع خيانة مؤجل"
قلت: "أحب الأصدقاء، لكني فقط لا أجدهم"
تلاشت أصوات الأطفال، ومررت على البقالة لشراء الحليب والخبز
قبل أنْ أعود إلى غرفتي.
هطل المطر غزيراً ولم أذهب للحديقة، في اليوم التالي قال لي:
"انتظرتك أمس"
قلت له: "لم أستطع المجيء بسبب المطر، لماذا انتظرتني؟ هل نحن
أصدقاء؟"
قال: "أخبرتك بأني لا أؤمن بالصداقة، خاصة بين الرجل والمرأة،
إنها صيغة جبانة لمواجهة الحب".
لم أقل شيئاً. انعقدت سحب في السماء، خشيتُ من هطول مفاجئ
للمطر، فعدت إلى غرفتي، شاهدت التلفزيون، ثم نمت.
على الكرسي الخشبي جلسنا، التفت إلي وحكى فجأة حكاية مؤلمة عن
طفولته، التفتُ إليه وحكيتُ له حكاية سعيدة عن طفولتيُ ركل كرة
الأطفال التي استقرت عند قدميه، وحكى لي حكاية أخرى.
في طريق عودتي مررتُ على المكتبة وقرأتُ بعض قصص الأطفال
الملونة، اشتريتُ قهوة ساخنة من كشك في الطريق، ولاحظتُ أنَّ
الجو يزداد برودة.
على الكرسي الخشبي تزحزحتُ قليلا من أقصى اليمين، وتزحزح هو من
أقصى اليسار.
حكى لي حكاية أخرى مؤلمة عن طفولته وكوَّر قبضته ليريني كيف
كان أبوه يضربه، خجلتُ أنْ أخبره أنَّ أبي لم يضربني قط،
فأخبرته أنَّ أمي ضربتني أيضاً. بدأت حبات خفيفة من المطر تسيل
على خشب الكرسي ولكني استرسلت في الحديث عن أمي.
حين عدت إلى غرفتي، حاولت مكالمتها ولكنها لم ترد على الهاتف.
دهنت خبزا بالجبن، وأكلته مع الحليب. عرفت السؤال الذي سأسأله
إياه غداً.
في الغد لوى جذعه قليلاً باتجاهي فبادرته بالسؤال: "كم مرة
أحببت في حياتك؟"
قال بهدوء: "مرة واحدة، حين كنتُ في الثلاثين من عمري"
سمعتُ بوق سيارة الايس كريم، كان الجو مايزال بارداً لكني
اشتريت كوزين لي وله.
أكلنا الآيس كريم ثم قال: "حين قبَّلتها لأول مرة أضاء وجهها
الظلام، وكنت مفتونا بهذا"، جاءت شوكة صغيرة ووخزت قلبي وغابت
فيه. قلت: "وبعدين؟" فاسترسل في الحكاية، حكى عن كل شيء، لون
عينيها، وشحمة أذنها وإبطها وهجرها وقسوتها وجنته وجحيمه،
وأضاء وجهه العتمة التي لم نلحظ هبوطها.
بكيتُ طوال الطريق إلى غرفتي، ونمتُ بملابسي.
في اليوم التالي لاحظت أنَّ الكرسي الخشبي مكرس لذكرى "ابنة
حنون، رحلت باكرا"، لم تأت سيارة الآيس كريم وحكى لي عن شعرها
وهاتفها وتحليقه العلوي بعد لقائها، وأضاء وجهه العتمة مرة
أخرى.
قبل أنْ أنام قلَّبتُ ألبوم الصور، وكتبت رسالة مختصرة لأختي.
طلعت الشمس، أنهيت جميع واجباتي، وجلست في غرفتي أحدق في
الشارع من نافذتي الصغيرة. قررت ألا أذهب للحديقة. جعت، لبست
ملابسي وخرجت، أكلت سندويتش تونة في كافتيريا قريبة، وذهبت إلى
الحديقة.
جلست في أقصى اليمين ووجدت قهوة في كوبين من البلاستيك بقربه،
قال لي: "تأخرت، وبردت القهوة". أعدت ربط شريط حذائي الرياضي،
وقال: "ماذا تفعلين هنا؟"، قلت: "أدرس، وأنت؟" قال: "أعمل".
لم نشرب القهوة الباردة، قال لي: "هناك ندرة من المحظوظين
تصلهم هبة الحب"، نظرت في وجهه وقلت: "لا تقل محظوظين"، قال:
"محظوظين"، قلت: "لا"، قال: "نعم"، وتشاجرنا. ثم حكيت له، حكيت
له كل شيء: كيف رأيته للحظات قليلة، كيف قال إنه يحبني، كيف
وعدني باللقاء في مدن كثيرة سافرت إليها كلها دون أنْ ألقاه،
كيف كتبت له شوقي بدموعي ودمي في رسائل طويلة، وكيف وصلتني
رسالة حبيبته التي تقول فيها إنها استمتعت معه بقراءة رسائلي.
حكيت له أيضاً عن انهياري العصبي وبقائي في المستشفى.
تحرك قليلاً من أقصى اليمين، فسألته: "هل أقتله؟"، قال بثقة:
"لا، إنه ميت أصلاً".
تنهدت، وحين عدت لغرفتي تصفحت مجلات مصورة، وجرائد، وشربت
شوكولاته ساخنة قبل أنْ أنام.
وأنا أنام قلت لنفسي إننا متشابهان كثيراً ولذلك نجلس على نفس
الكرسي كل يوم.
في اليوم التالي كان هناك فراغ من الخشب على يميني، وفراغ على
يساره، وكنا نحكي عن كل شيء، ونضحك، ونسحق أكواب البلاستيك
الفارغة بأيدينا، أراني صوره وهو طفل، وسألني عن رقم هاتفي،
فلم أجب. حين قمت لأذهب قال لي: "أنا أيضا بقيت في المستشفى
بعدما هجرتني دون سبب, وتجاهلت رسائلي الألف تناشدها العودة".
في غرفتي انتبهت أنَّ صورته وهو طفل تشبه صورة أخي الأصغر وأنه
لم يكن يبتسم للكاميرا.
جئتُ متأخرة في اليوم التالي, فنظر إلي غاضباً ولم نتكلم،
تعالت صيحات الأطفال وهم يلعبون الغميضة، وأحسست بالبرد، قال
لي: "أين صورك؟"، قلت: "لم أقل إني سأحضرها"، فقال إني قاسية
وقلت إنه عنيف، وذهبت إلى غرفتي، لم يكن في الثلاجة أي حليب أو
عصير أو خبز، نمت جائعة.
مرت أيام كثيرة، والكرسي الخشبي تضيق فراغاته وتتسع حسب رضانا
وسخطنا، ثم زاد سخطنا وأصبحنا نتشاجر على كل شيء ولا شيء، قلت
له إنني تعبت من عنفه، وقال إنه تعب من حساسيتي.
غبتُ يومين لأجل الامتحانات وحين عدتُ كان عصبياً للغاية، قال:
"تسافرين لذلك الشخص الكاذب في كل مدينة، وتذليني أنا هكذا
بانتظارك"، كنت سأقول: "كتبت لها ألف رسالة، وتصرخ في أنا
هكذا" لولا أنْ واتتني الانتباهة. ذهبت لغرفتي, مسحت خشب
الطاولة والسرير بفوطة جافة، رميت الغسيل في الغسالة المشتركة،
وأكلت فاصوليا وأنا أشاهد الصور المتحركة في التلفزيون مكتوم
الصوت. عضضت على شفتي السفلى بقوة وأنا أدفن وجهي في الوسادة
وأفكر أنه لا يوجد تبادل أدوار في الحياة الحقيقية.
انتهت الامتحانات، وبدأ الجو يتخلى عن برودته.
حين عدت للحديقة كان الكرسي الخشبي فارغاً.
تراجع |