..  كل سعادة الانسان تكمن في المخيلة
 

:مقاطع من سيرة لبنى*  

  1. قراءة محمد الرحبي

  :منامات*     

  1. قراءة د.إحسان اللواتي

  2. قراءة جورج جحا    

  3. قراءة زيد الشهيد

  4. قراءة عبدالله الريامي

  5.  قراءة عزت عمر

  6. قراءة د.وليد خالص

  7. قراءة وليد عادل 

!.. قبل أن يحين الرحيل

                         قراءة محمد الرحبي

تمهيد

لم تكن مجموعة قصصية فقط ، إنها حالة توجد أنثوي قارب مساحات الروح فتفجر لحظات صدق ، إنها مقاطع من سيرة امرأة باحت بتفاصيلها الكونية ، قاربت أمواج مدها وجزرها في استرسال عميق ، يقترب من الشعر حينا ويتفجر حكايات أحيانا ، كأن المرأة تسكن كل مفردة تتوارى خلفها كما توارت جوخة الحارثي التي عرفناها سنوات خلف اسم جوخة بنت محمد بن خليفة كما تبدى على ظاهر المجموعة ، التي فاجأتنا مرتين : مرة حين عرفنا متأخرين بأنها أصدرت مجموعة قصصية ومرة حين عرفنا متأخرين أكثر أنها فازت بالمركز الثابي في جائزة الشارقة للإبداع العربي ، أثبتت جوخة أنها قلم ناضج وان توارى حينا ، وتجربة ثرية وان قل وقوفها تحت الأضواء.

تضمنت المجموعة تسعة عشرة نصا قصصيا ، وفي العنوان الذي حمل اسم المجموعة "مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل " اندست بضعة مقاطع /نصوص ، كأنها فصل خاص ييمم وجهه شطر المظلم من يوميات أنثى كالتي يحتضنها الحلم ، أو تحتضن الحلم تتدفأ به من قسوة الواقع .

المواضع المناسبة

المجموعة حالة بحث عن يقين لتكون الأشياء في مواضعها المناسبة ، إذ القلوب الصغيرة تحتاج إلى شمعة تنير العتمات ، تكتب جوخة الوجع المبيت في الغرف المظلمة ، تبدأ بالتقاطه منذ القصة الأولى "المواضع غير المناسبة للأشياء الحقيقية" .. قصة تحمل عوالمها المدهشة تجمع اليقين باللايقين في لحظة استغراق حلمي يمسّد شعر الليل بانتهاك ييم وجهه نحو الحرية لكن عبثية الحدث تمد يدها بوحشية تصادر الحق حتى في استقبال الحلم قبل النافذة ..

المرأة تواجه الأسطورة ، مرة كجارية ، ومرة كملكة عبارة عن لعبة ثمينة تفقد قيمتها إذا وصلت إلى يد الطفلة التي تحلم بها ، في القصة الأولى تطل المرأة جارية ترتق ثقوب الحلم بأشياء الرحيل ، تستكين لعبوديتها إذ لا مناص آخر للسفر بالحلم إليه ، " جمعت كل شيء" ومن ثم "أين تذهب ، إنها له" .. هي الأنثى تزنّر أحزمة دهشتها لتبدو يمامة مرة ومرات أخرى نورسة بيضاء حيث الزمن في دوران عقاربه على دائرة حياة امرأة مثخنة بجراحات لا تحتمل ، هذه الأنثى تجلس على حافة الانتظار تغتسل بالصمت : "لقد عاشت طويلا طويلا اكثر مما يحتمل".

تستخدم اللغة الشعرية في رسم الحدث ، محتفية بالألوان كأن اللوحة لا تكتمل إلا بألوان تختارها القاصة بعناية فهي إذ تكتب القصة فإنها ترسم الشخوص والمكان وتضع الألوان على المساحات التي تبارك شاعرية اللغة في حنين دائم بين الجملة الشعرية والألوان المنتقاة حيث اللونين الأزرق والأحمر في تناغمها يكملان الحكاية ، إرهاصات الأنثى تفتتح بهما دور الحكاية ، ترسم بقع اللون في الأسطر الأولى لتكتب الأنثى التي اختارت الإيقاع بها في شرك الحكاية ، في قصة ملكة يبدو اللون بطلا ، هناك مقاربات لونية في يوميات مريم ، في كل سطر من تفاصيل مريم ثمة لون يرفو رتوق أحلام الطفلة ، تتجلى اللغة الشعرية كأن الحدث لن يكتمل إلا إذا جاء قصيدة تناثر مفرداتها ، اللغة ليست بمعزل عن أجواء جوخة الحارثي التي تكتب حكاياتها من عالم يفيض شاعرية ، سجينة كانت أو طليقة ، الحنين للسماء ، في كل قصة تدشن جرحا يلعب دور البطل النافذ ، المرأة هي البطل الموحي فقط لكتابة بقع الجراح ، إنها تفاصيل الكائن المعتق في الغرف الداخلية يبحث في غرفه الداخلية عن أحلام يبدو أنها لا تطل من الداخل بل يأتي الحلم دائما من النافذة ، يبقى الحلم حلما ، حتى إذا لامس الواقع بدا شيئا جافا لا مذاق له ، الشخوص لها علاقة بالواقع لكنها تترصد الوقع عبر زواياها الخاصة ، وربما الأسطورية في كثير من الأحيان ، كأن هناك رابطا سريا بين أسطرة النص والإبقاء على حالة الحلم المخبأ في الداخل كأن بقايا الأساطير .

في قصة ريا (الحمامة أو اليمامة) تتلبس الشخصية وداعة هذا الطائر الرائع ، حمامة على مقعد الدراسة " ريا تطير من النافذة ، تحلق مع سرب الحمائم ، وحين تعثر على مصباح علاء الدين تقول دون تردد : أبغي أما " .. تكبر الحمامة ، تكتشف أنها على الأرض ، تنقش أوجاعها بعيدا لتذوي مع حلم الحصول على شهادة لكن نحو حنان مفقود هو الإحساس به بالتواصل اللامرئي مع الام.

تداعيات السرد

يتنوع السرد داخل القصة الواحدة متداعيا بضمائر شتى ، قد يغيب صوت البطل / السارد لكن ضمير الغائب / هو السائد إلا من تدخل المؤلفة في إسقاط تعليق بضمير المخاطب / أنت لطرح أسئلة حائرة بفلسفة قد لا تستوعبها الشخصية ، يكمن هذا النموذج في قصة جمل ، فبرغم واقعية الحدث إلا أن اسطرة النص لا مناص منها في لغة جوخة الحارثي التي لا تريد أن تستسلم لمباشرة الحدث دون مزجه برمزية متعددة الأوجه لا تقدمه كوجبة جاهزة وانما عبر طقوس تمنحه ألقا صافيا عبره يمكن الإسقاط والتأويل والبحث عن ما وراء النص في حركة مغايرة لسير الحدث وفي هذه القصة يمكن اكتشاف أن المؤلفة استثنت رصدها المرحلي المباشر لإيقاع الحركة الزمنية داخل نصوصها بقفزة كبيرة في هذا النص ، تستبق إيقاع الزمن لتكشف عن مفاجآت الحدث واحداثياته رغم بقاء المكان باردا وجامدا كأن الزمن وحده يتحرك ، في هذه القصة تناور جوخة الحارثي حركة القص بإدخال القافلة / الجمال كإسقاط غير مباشر على حركة المجتمع التقليدي ، فالبطل يزجي قافلته يحاول أن يجمع ما انفلت من الجمال التي تكونها لكن ك" حين انفلتت أصابعه كانت أخفاف كثيرة تسحقه لتواصل القافلة سيرها" في إشارة إلى جمود حركة الشيخ ، ونص خيوط يأتي لنعي حركة الزمن فهي حالة تذكر لزمن يغيب في سراديب الذاكرة ، كأنها المرايا تعكس صخب الذاكرة المتعبة: "والمسافة بيننا سماء بيضاء ، واسعة، فسيحة، والزمن صارخ الجدة".

سيرة لبنى 

مجموعة مشاهد سريعة تشكل مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل ، كأنها قصائد نثرية تكتب الأنثى التي دائما تود معاكسة قدر الرياح ، يؤلمها الواقع فتدخل مدن الرؤيا / الحلم ، هناك حيث العاشق يكتب مع معشوقته حكايا الشعاع الأخضر من الشمس في تداخل شعري يكاد يغيّب الحدث /القصة فربما هي لا تكتب عن محددات لا يمكن القبول بها في حالة المنولوج الداخلي وانما استقصاء حالات تعبر عنها مفردة ذات : ذات ليلة، ذات رؤيا، ذات صباح ، لكنها أيضا استقصاء للافتراق الموازي للمعاناة التي تسم غالبية نصوص المجموعة ، في ذات رسالة تبدأ بعنوان داخلي : في البدء كان النظام ، وتنهيه بالقول : نفترق .. ما المشكلة ؟ .. كل شيء جيد ومنظم ، وبعده عنوان آخر : في المنتصف كانت الحرية تبدأ ب" نفترق ، يا لمباهج الحرية ! وينتهي : " نفترق؟ .. يا للحرية حين لا ننتظر اللقاء.، والروح المتشائمة رغم طاقات الحلم التي تتبدى حينا لا تكاد تخبو في مقاطع سيرة لبنى ، العنوان الداخلي الأخير من ذات رسالة يرى : في الختام كان الصدق " لكن الرؤية معاكسة لقدر اليمامات في نكوصها باتجاه الحلم ، " هذه الأكاذيب الصغيرة عن النظام والحرية تسلية عابثة يا صديقي .. لا تصدق !"

في نهاية مقاطع سيرة لبنية يأتي ذات توهم للختام ، لوحة شعرية :

"وها أنا بعد ما لاح لي

أن كل شيء قد انتهي

استعيد جانبا من الوميض

الغصن يابس في يدي

والذئب على جانب الطريق".

المرأة .. اللوحة

في مجموعة قصص قصيرة التي تأتي بعد مقاطع من سيرة لبنى تختزل جوخة الحارثي أشكال الوجود الأنثوي فهي عفراء (عروة) الذي حين آب وجد الزمن قد فتت عروته وهي زعفرانة التي انشغلت عن مليكها بطقوس الانتظار وهي أليس في الصورة السحرية إذ الدمع طوفان وهي فتاة صغيرة تمتطي حصانا تحكي للفارس عن عالم لا تلتمع فيه أغنيات الطفولة وهي البنت الخفيفة التي لا بد من تقييدها باغلظ الحبال لان " أبناء الأرض لا يقطنون السماء" وهي المسهدة التي تكتشف أنها "مطوقة ، أسيرة ، مسجونة ، معذبة" وهي صورة الكلمات حين لا يكون له صدى حين تسير على الماء.

اشتغال على كتابة القصة /اللوحة ورشوة القارئ للدخول إلى قراءة اللوحة /القصة ، العناوين تأتي على حالة نكرة للتعبير عن انزواء المرأة كوجه نكرة ، قد يخفت حضور المرأة لكن الدمعة التي تتساءل في محجر العين لا تبعد كثيرا عن وجه المرأة في قصة وظيفة حيث لا يجد الفرح رجلا صالحا للسكنى فيه على نحو متواطئ لمقابلة ذلك بالمرآة الباحثة عن لحظة فرح أو أنها هي الفرح ذاته.

وتبقى هذه الدمعة الأنثوية صدى حارقا يتماوج بين غلافي المجموعة ، بين المواضيع غير المناسبة للأشياء الحقيقية أو بين الأمطار القديمة التي تندي الوسادات عبر حسرات الأعين ، العبارة الأخيرة تختزل كل الحكايات : "كانت تلك مساءات قديمة شحب الآن ، غير أنها أثقلت البنت الضئيلة بعناء السؤال ، وما عادت تأتيها نعمة البكاء كالمطر ، مذ قعدت وساءلت نفسها: لم أبكي ؟

وفي كل مفردة ، حكاية حكاية.

شاعرية اللغة

وقبل أن تنتهي هذه العجالة من التجوال في مقاطع سيرة لبنى فان إغفال شاعرية النص إغفال لجانب هام في أسلوب جوخة الحارثي الذي ناور بين سردية الحكاية وشاعرية النص دون الوقوع في مثلب الانحياز لأحدهما ، ارتقت بالنص القصصي عبر النص الشعري فتوهجت الحكاية ألقا بهيا صافيا يشد القارئ لاستكمال الحدث مع انسياب وشفافية اللغة ، فالمهم أن تصل الكلمات عبر اللغة ، وكانت اللغة محور الرقي ، في مقاطع شتى تبدد القاصة مزهوة بانشغالها برسم صورة المكان ، بالتقاط تفاصيله، كأن المكان هو صورة المرأة المزروعة في وجدان القاصة، ومع التقاطات الصور المتلاحقة بمفردات شاعرية تكون الطبيعة هي الأنثى ، أي أن المكان هو البطل، صورة البطلة ، كما نلاحظ في الجمل التالية :

"كانت مساربي تتشكل صخورا وتكوينات ساحلية عظيمة الهيبة".

"القمر الموشك على الاكتمال يطل من ذراعي نخلة إلى غرفتي عبر النافذة ورفيقا ينير الفجوات المتكلسة لأرى أني حانقة على انبهاري لا عليه"

"يستلقي نور القمر الواهن فوق ثياب العيد المطرزة بحنان أمي أو زهوها"

"تزحزح أيها النور القمري عن مجاهلي، كم أنت واهن ، ها قد عدت تستلقي على ثياب العيد"

"أضئني أيها القمر .. كيف ستصبح الألوان في العالم حين يتسلل نورك إلى ألسنتنا ، فنتخلص من بقعها ." الداكنة .. حين تبدد ظلام هذه المضغة فقط .. كيف يكون العالم"

انه خطاب النور في ثنايا الكشف داخل المسارب المظلمة ، رفع الأقنعة السوداء بشلالات النور التي يوزعها القمر تنادي : "تعالي بقعة الضوء إلى مغاوري الخفية ومساربي الداجية .. هنا أروم القراءة ، هنا أتوق النور ، ولكن القمر ينزلق في اذرع النخلة ، لا يمنحني نوره ولو بوهن ، اعجز عن القراءة ."في هذا الضوء الخافت في نص مربعات ، ورغم هندسة النص داخل التقاء أربعة أضلاع متساوية إلا أن شعرية اللغة التقت المد الذي اعتمدته جوخة الحارثي لكتابة الشرخ الإنساني في التعاطي الحياتي بين الرجل والمرأة ، هناك شخصية جميل نمر التي تسير داخل مربعات جامدة لا تأبه إلا للمربع/الإطار الذي يحيط بلوحة دنيا ، هذه الأنثى التي تتمنى أن يرى اللوحة الحية وليس الإطار الجاف ، تكمل المربع الذي انطلق منه الحدث في ديمومة النمط الاستهلاكي الممل ، هناك المنبه المعدني يعرفه الرجل /جميل وهناك عصافير في عش نافذة امرأة ترسم اللوحة تأبه للندوب التي لا تمحيها تواترات المراحل.

الختام

الإبداع لا يحتاج إلى تقديم ، وليس معنيا باختلاف النظرات إيجابا أو سلبا ، لقد قدمت جوخة الحارثي رؤاها حول ما شاءت ، وقرأناه كيفما شئنا ، وحين وضعت النقطة الأخيرة على إصدارها صار من .حقنا أن نراه ، وأيضا من حقها أن لا تصدق كل ما نراه.

تراجع

 

إشكالية العلاقة بين الحلم والواقع في" منامات" جوخة الحارثي

                                       قراءة د.إحسان اللواتي                    

يلج القارئ في عالم هذه الرواية (1) مزوداً بفكرة مسبقة استفادها من عنوانها، حاصلها أنه مقدم على قراءة رواية يشكل الحلم أساسها الأول، أو يتبوأ فيها مقاماً مميزاً في أقَل تقدير. هذه الفكرة المسبقة سرعان ما يتبدى للقارىء كونها في محلها بمجرد أن يستهل قراءته، فالحلم حاضر في الرواية كلها حضوراً مكثفاً بارزاً، لا بل إن حضور الحلم حضور طاغ لا يأذن للواقع أن يكون ذا حضور مستقل عنه، فيغدو الواقع ــ والمراد به في هذه الدراسة كلها الواقع الروائي، أي ما هو واقع في الرواية نفسها، بغض النظر عن العلاقات التي يمكن أن تربطه ببعض ملامح الواقع الخارجي المعيش ــ حلماً، ويغدو الحلم واقعاً، ويتداخل الاثنان حتى يصعب ــ إن لم يتعذرــ الفصل بينهما أحياناً. ولهذا التداخل دلالته التي عبّر عنها الخواجه بقوله " لكأنّ اضطراب الحياة وإشكالاتها العديدة واختلاط المعقول في اللامعقول حطّم الكثير من المتاريس الفاصلة. وأسلوب التعبير هنا يرغب في الإيماء أن في الواقع من الميلودرامية واللامعقول واللاواقعية، مع أنه واقع، الشيء الكثير، بما يسّوغ الحلم وينسجه داخل الحقيقي دون عائق"(2).

صحيح أنّ الفصل بين الحلم والواقع ماثل بنحو واضح في وعي الشخوص الروائية أحياناً، فهي ذي بطلة الرواية وراويتها تقول مفصحة عن هذا الوعي: " في منامي تلك الليلة كنت أهمهم: ولكنه حلم، مجرد حلم" (3). وشبيه بهذا الموقف موقفها من هدايا محبوبها، الهدايا التي كان وجودها الخارجي يجأر بنفي الحلم:" في درجي اليوم أرى كل الأشياء الصغيرة القاتلة التي لا يمكنها التخلص مني ولا يمكنني تجريدها, كل الأشياء الصغيرة تتسع عيونها المصمية, عيونها التي تقول: لم يكن حلماً " (4).

بيد أنّ هذا الفصل الواضح كثيراً ما ينسحب متراجعاً, تاركاً مكانه لتحول الواقع إلى حلم من جهة, ولتحول الحلم إلى واقع من جهة أخرى. فمن الجهة الأولى يصير الواقع, كل الواقع, حلماً في وعي محبوب الراوية, فنجده يقول: " كأني أعيش خارج اللحظة, كأن كل ما يحدث مجرد حلم, وفي لحظة ما سأستيقظ. قلت بتوجع: ولكن هذه اللحظة لا تأتي. رفع عينيه إليّ: هل الحياة إلا حلم؟" (5) وليس الأمر مقتصراً عليه وحده, فهذه هي الراوية تقول أيضاً: " أتلك البداية أم النهاية ؟ البدايات حلم, والنهايات ؟ حلم آخر, بطعم آخر " (6). وفي لقائهما, حين أرادها أن تأخذ يده, رأت الواقع حلماً, وأخذت تسأل نفسها ما إذا كانت أفاقت منه: "دائماً لم أؤمن بخلود هذا المستحيل، ودائماً شككت في حقيقة هذا المنام الطويل، فهل أفقت؟"(7).

ومن الجهة الأخرى، جهة تحول الحلم إلى واقع، تشعر الراوية باستمرار أنّ أحلامها " تمزقها". وما كان لمثل هذا الشعور أن يراودها لو أنّ أحلامها قنعت بكونها أحلاماً حسب، ولم تشرئب إلى الواقع:" مزقتني المنامات الطويلة المتكررة، صهلت فيّ أفراس الآلام حتى قلت: الموت أو الموت، ثم انخلعت عن الجحيم، بيد أني أختنق الآن بالدخان"(8). وتصرح الراوية أيضاً بأنها كلما حاولت الابتعاد عن واقعها، أعادتها إليه أحلامها التي تشبه وحوشاً مفترسة أو قوى مزلزلة، وهذا كله مثقل بالدلالة على ما للأحلام من وثيق ارتباط بالواقع: "مناماتي المتكررة لا تقول مزيداً كل مرة، تمزقني بإتقان وحسب. وحين نأت سمائي عن أرضها ونمورها الجارحة تقاطرت النجوم لفرط ذوبها وعمق نهشتها الباقية. أبداً تعوي فيّ مساحات الحلم البعيدة، وأبداً تزأر في فضاء كلما اقترفت وهم الابتعاد زلزلت سكونه منامات"(9).

إنّ ما تقدم ليدل بوضوح على أنّ العلاقة بين الحلم والواقع في "منامات" ليست علاقة سطحية ضحلة يتسنى استجلاء أبعادها بنظرة عابرة، فهي علاقة إشكالية التباسية في المقام الأول. وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة جانبين مهمين من جوانب هذه العلاقة، يتمثلان في: الوظائف الحلمية والتقنيات الفنية.


(1) - جوخة الحارثي: منامات, المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت 2004م. والمؤلفة كاتبة من سلطنة عمان, حاصلة على ماجستير في اللغة العربية و آدابها من جامعة السلطان قابوس عن دراستها: "منهج التأليف في خريدة القصر للعماد الأصفهاني", وتعكف حالياً على إعداد رسالة الدكتوراه في بريطانيا. تكتب القصة القصيرة والرواية والمقالة, وتنشر في الصحف و المجلات المحلية والعربية, وقد فازت بعدة جوائز منها: جائزة راشد بن حميد في عامي 1998م و1999م , وجائزة الشارقة للإبداع العربي عام 1999م , عن مجموعتها القصصية الوحيدة حتى الآن "مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل".
(2) ـ دريد يحيى الخواجة: تخامر الواقع والحلم في بنية القصيرة العربية، دار المعارف، حمص 1993، ص118. جاءت الفقرة المنقولة في سياق تعليق المؤلف على اختلاط الحلم والواقع في مجموعة" الآس الجميل" لعادل أبو شنب.
(3) ـــ منامات، ص33.
(4) ـــ منامات، ص34.
(5) ـــ منامات، ص32.
(6) ـــ منامات، ص108.
(7) ـــ منامات، ص66.
(8) ـــ منامات، ص8.
(9) ـــ منامات، ص9.

لقراءة الدراسة كاملة يرجى الرجوع إلى المجلة العربية للعلوم الإنسانية, العدد 100 , السنة 25 , خريف 2007.

تراجع

جوخة الحارثي تنسج الاحلام بلاغيا في روايتها

                          قراءة جورج جحا                      

في رواية الكاتبة العمانية جوخة الحارثي التي حملت عنوانا هو "منامات "اتجاهان لا يخدمان عملية السرد بالقدر المطلوب .. اتجاه شعري واخر بلاغي مغرق في بلاغيته. وعند قراءة الرواية قد يجد القارىء نفسه يتساءل عما اذا كانت تشكل فعلا عملا روائيا متكاملا وقد يخطر بباله انها في مجملها عمل شعري ناجح ومؤثر في كثير من اقسامه وان بعض فصولها كالفصل الاول وغيره ربما جاء اقرب الى قصة قصيرة مستقلة.

صدرت الرواية عن" المؤسسة العربية للدراسات والنشر" في 112 صفحة من القطع المتوسط وبلوحة غلاف للفنانة المكسيكية فريدا كاهلو.

ويمتزج في اجوء الرواية الرومانسي وحتى الرمزي بالبلاغي العربي التقليدي الانيق والمصقول من خلال صنعة فيها مهارة جلية لكنها في بعض احوالها تصل الى حد تصنع يرتدي شكلا معينا ثم يغور مبتعدا ليعود محملا بصور تتكرر هي ذاتها تقريبا في اشكال متعددة تتحول الى نوع من الاطناب الفني الذي قد يرهق العمل.

وقد تكون الكاتبة المليئة بالشعر والوجدانيات اوضحت هي نفسها مفهومها لدوافع عملها الروائي ولماذ لا يشكل رواية بالمعنى الفني المتعارف عليه. ففي مكان من الرواية بعد وصف خيبات كثيرة واحداث تبدو للقارىء غير مترابطة بل غير مفهومة تماما في بعض االمجالات.. تقول "اريد نظاما وسط هذه الفوضى .اريد مشجبا لتعليق الذكرى..ماذا اريد الان ..ان ارتب هذا العالم الضاج ...اقول لنفسي ..فلاسرد هذه الاحداث المجنونة سردا منطقيا ..فاذا بي اكتشف الا احداث هناك. مشاعر فقط. مشاعر تختزل الحياة كلها.اما مواقفنا الحاسمة معا والاحداث الضخمة فلا تكاد توجد. التقينا. تعذبنا باتقان ثم افترقنا. هذا كل شيء واختنق الان كأي حمقاء بالدخان الذي نسميه ببساطة.. الماضي."

الكاتبة ابنة سلطنة عمان تروي عن مجتمع يقوم اساسا على العلاقات والقيم التقليدية وبينها في شكل خفي تدور مشاعر وقصص حب مكتوم لا يتجرأ في الغالب على الخروج الى العلن فيأخذ طريقه الى التشكل من خلال احلام.. او تسبب هذه القصص لاصحابها حالات نفسية مرهقة. ومن ذلك ارتباط خفي.. كأنه صار داخل اللاوعي.. بين بطلة الرواية التي لم تصب قصة حبها نجاحا..وبين الاب الراحل الذي تركها تعيش في كنف الام وزوج الام الجديد. انها تفتقده وتعبر عن ذلك في عالم من الحلم لكنه عالم يصور بطريقة تجسد ولعا متخما باساليب البيان واشكال البلاغة.

وجوخة تستطيع وصف الحلم بنجاح يكاد يفوق سماته الطبيعية العادية فيتحول امام ناظري القارىء الى لوحة فيها من الصياغة والمهارةالفنية ما يفوق اجواء الحلم ليصل الى حال قد يصح وصفها بانها من "الاحلام الاصطناعية" الشديدة الاغراق في التفاصيل والمفارقات والزخرفة شبه السريالية احيانا. وهي احلام تطول فتتجاوز مدة الحلم العادي. انها احلام مشغولة بعناية وبلاغة وان تكن خيوطها مأخوذة اصلا من واقع ما لبثت ان تجاوزته. الفصل الاول قد يكون مثالا لاجواء كثير من هذه المنامات. تبصر به "دشداشته البيضاء تومض وتختفي" فتلحق به طالبة منه ان يتوقف "اكتشف اننا نصعد سلما حلزونيا يلتوي على الاسطوانة الداخلية لبرج عال يشرئب الى سماء لا حدود لها ..."وتصف دموعها في مبالغات اشبه بمبالغات الشعر القديم ولو كان الامر حلما. كانت تناديه اي تنادي اباها الراحل ولا تسمع صوتها وتبكي "وتنهمر دموعي كمطر تتكاثف وتسيل على السلالم. اسمع ارتطام تدفقها باحجار السلالم ثم صوت اندفاعه كسيل هادر... اتعثر وتزحلقني الارض التي ترطبت بدموعي ..."وتصف وصفا مطولا ما تشاهده فكانها تحولت في الحلم الى "اليس" في عالم الغرائب المرعبة. "اخذت حيوانات غريبة تندفع باتجاهي ..تنانين تنفث دخانا اسود .حمر باذان ارانب وردية وصقور باقدام بشرية..زرافات بلا رقاب ورقاب بلا رؤوس..."

عندما تتفلت الكاتبة من "لزوم ما لا يلزم" وتكتب مباشرة من النفس دون ان تتحكم بها القيود البلاغية والصور غير الضرورية التي كادت في مجالات عندها تتحول الى غاية في حد ذاتها.. توفق وتأتي بكتابة قصصية حساسة وتتجلى مقدرتها الشعرية التي تستطيع الانتقال من المحسوس الى حقائق انسانية ابعد منه. تتحدث عن عبثية الكلام وافراغ الكلمات من معانيها البكر مثلا فتقول "جاءت الكلمات واجتمعت وحين سقطت على ارض لساني كان لها طعم بسكويت منسي في الشمس .كانت قديمة كثيرا كثيرا قلناها. كم قلناها." انها شاعرة فعلا حين تسير مع نفسها لكنها تضرب شعريتها حين تختار ان تسجنها في قوالب ميتة. ولعل اسوأ انواع السجون الادبية هي السجون الاختيارية. تقول مثلا في لعب كلامي مجاني وكانها لا تكتب بلغتها ..وهي جميلة ..بل بلغة بعيدة عنها زمنا فكانها تحاول احياء لغة "ما بالكم تكأكأتم علي كتكأكؤكم على ذي جنة" فتقول بجدية مستغربة "للسكة لون اكهب وانا مسربلة في البياض الناصع وعلى بعد خطوات مني وقف الرجال السمحون وامامهم دلاء كتيمة ...احمل دلوي على راسي الدنف المتدله بالدرب الداني المنادي بالدنو وبدلوي الدم الفاسد يدمدم ليدمغ الدانة ويدنيها من دبيب الدنس ويدلي دموعها ."في دنيا الدنايا"

تراجع

الخطاب الروائي وطغيان الشعرية على الأحداث

قراءة زيد الشهيد         

حين يكتشف صانع الخطاب مسالك العدو في بطاح اللغة وجنائنها ، ويندفع كما الجذلان في فضاء سحرها .. حين تكون اللغة فتاة غواية ترمي شباك اقتناصها للنفوس الباحثة عن غيوم التحليق  .. حين يدوِّن الحالم أرجوزة الإفضاء البوحي الحر بمفردات  الموهبة الممنوحة له هبةً بعد طول هيام .. حين هذا وكل ذاك تكتمل حوارية الدهشة ، ويروح الخطاب في خيلاء قدرة ولوجه إلى المناطق الأشد صعوبة في إدراكها ( الدهشة ) .. حينذاك تتحقق معادلة تأثير الباث بالمستلم عبر الرسالة التي تتمثل الوسيط الحي الذي قضى راهصاً حيوياً فاعلاً طيلة زمن التحاور .

يأتي خطاب ( منامات ) قصّاً بصوت الراوي العليم  الذي يمتلك مفاتيح الحكي ، ومفاصل الأحداث ، وحرية البوح بعيداً عن الصوت الثالث الذي قد لا يعي اعتلاجات دواخل الأنا . وهذا ما يقف لصالح الخطاب إذ يجيء فحواه معبراً وأثيراً ومحققاً أولى بواكير نجاحه وتأثيره على المتلقي .

في رواية " منامات " يأخذ الخطاب صفة البوح الذي يتعالى فيه العشق المضمخ بأريج الطفولة ، امتزجت فيه أشذاء البراءة والفقر ، واللوعة ، والحرمان ، وحلم امتلاك المُراد الذي يقف فيه التفاوت الطبقي برزخاً وتابو يعيقان اللقاء الصادق المنتهي بخاتمة يبغيها العاشقان . ثمة العشق القاهر لفتاة حالمة حلماً لا ينتهي إلا بالتقهقر. وفي أوار العشق والحلم تغدو الفتاة بؤرة قص تبث أحداثاً متقطعة  كما لو كانت في خضم بحرٍ هذيانات ، تؤول في مرحلة من مراحل العشق إلى السقوط في حبائل الداء الروحي  " وكأنما استنزفت قواي بغتة سقطتُ يومين مريضة ، كل ذرة فيَّ تستقبل  طبولها  الجديدة المدوية ، وترتجف وقد عرفت ، عرفتُ أنَّ كلَّ هذا الانهيار له اسم واحد هو العشق . " ص29 .

تتركز بؤرة الخطاب في أمر عشق يجمع الراوية مع حبيب جاءت به متوالية الأيام الضامّة لهما في مكتب وظيفي ، كانت هي المتعلقة بالأب الغائب البعيد . وكان هو المخطوب شفاهياً لابنة عمّه بناء على اتفاق بين الأخوين ( العمّين ) . تندفع هي وفق أبجدية الفتاة التي تجد نفسها على قارعة الحياة تسعى لَمن يمنحها باقة السعادة عن طريق حب نقي أساسه التبادل المائي الصافي والسماء الزرقاء الرائقة والكلمات التي تقطر شعراً . هي الحالمة التي لا تريد لأحلامها أن تنتهي ، ولا تبغي العودة لواقعها التعيس ، وسط حياة وجدت نفسها على غير ما تأمل تعيش تفصيلاتها الانكفائية ، وساعاتها المتقهقرة باتجاه اقيانوسات ضبابية غير واضحة .

كانت ألأم  قد تزوجت بعد وفاة الأب تاركة الابنة وأختها الصغيرة لعمتهما يعيشان حياةً فاقدةً لمقوّمات الحنان ، إلا الذكرى ( عن الأب الرؤوم الحبيب ) ظلت غائرة في دهاليز الذاكرة وطوايا الروح  تستعيدها الراوية كلّما جنَّ عليها الحنين وتطلبت الحاجة حضوره الإجباري الأكيد . وفي هذا تناص يربط موضوعة هذا الخطاب الروائي برواية ( بحر ساركاسو الواسع ) للروائية الدومنيكية  ( جين ريز ) حيث تعامل الروائيتين مع حياتي بطلتيهما . وقد كانت " ريز " متأثرة تأثيراً كبيراً بزوجة " روشستر " في رواية  ( جَين أير ) للكاتبة الإنكليزية ( شارلوت برونتيه )  إذ الزوجة المجنونة  التي احرقت بفعل نوبة هستيريا سيطرت عليها  كامل القصر الفخم  للزوج روشستر في الريف الإنكليزي . تحدثت الدومنيكية " جين ريز " بلسان بطلتها عن معاناة أمها التي أهملها الزوج وتركها لنوبات الهستيريا تماماً كما نلمسه في بطلة ( منامات ) وهي تتحدث عن انفعال أمّها  وهياجها ، وفورة الجنون التي تتفجر أمام عينيها . وهو تناص ثنائي أو ثلاثي يعكس نوبات قلق   متشابهة ، وحالات انفعال متقاربة . وهي تعيش مع زوج أمها مثلما نشاهد راوية ( بحر ساركاسو الواسع ) التي تعيش هي الأخرى بكنف زوج أمها : " من بعد منتصف الليل أفزعتني جلبة من نومي المتقطع ، هرعت من غرفتي إلى الصالة حيث كانت أمي واقفة على حافة السلم مشعشعة الشعر ، جارة بين أصابعها رزمة من ملابس النوم الشفافة الرقيقة ، وزوجها متكئ  على الأريكة أمام التلفاز يرقبها فاغراً فاه . " ص72

تقتنص صانعة خطاب " منامات " الروائي حالة اجتماعية تساور تلميذات الابتدائي والإعدادي ، تلك التي تميل فيها البنت لإظهار الاهتمام والتعلق البريء بمعلمتها ؛ وهو تعلق يكثر في المجتمعات  المغلقة التي تعاني من إشكالية فصل الجنسين في الدراسة ناهيك عن المجتمع المبني اجتماعياً على هذا البناء المربك ؛ أي في المجتمعات  الشرقية الإسلامية التي ترى أن ما اجتمع اثنان إلا والشيطان ثالثهما حيث التربية تدفع إلى فصل الجنسين عن بعضهما منذ الصغر وعدم الاختلاط خشية دخول الشيطان بينهما فيغويهما ، فيسقط شرفهما فتصبح أسرتاهما عرضة للتشهير ، وخروجاً عن العرف الاجتماعي وكفراً بالتعاليم الدينية المقدسة . هذه الإشكالية وبحكم هيمنتها  وفرض وجودها الفاعل ولدت افرازات سوسيولوجية لعلَّ احدها توجّه البنت ، التلميذة إلى عشق الإمرأة ، المعلمة  ؛ وهو عشق تضمخه البراءة لكن تستدعيه النفس . ومنتجة الخطاب  تطرح موضوعة حب أختها الصغرى " منى " لمعلمتها وإظهار قلق الأم وتوجسها من هكذا أمر  قد يؤدي إلى ارتكاب فعلٍ شاذ أو جنوح لا مقبول . فالأم تخاطب الراوية  : ألا تعتقدين أنها تبالغ كثيراً في حب معلمتها ؟ " فترد عليها الراوية : " انها مرحلة  عابرة .. لا تقلقي . " ص37 . وتكشف من خلال هذا الحوار عدم فهم ألام حين تكون بسيطة  غير متعلمة  لنوازع ومشاعر أبنائها وهم يخوضون فترة ارهاصية يتخلخل فيها التوازن وترتبك المشاعر ، ويتأرجح  الاتزان فنقرأ حسرة الراوية  وهي تتداعى بعدما تركت امّها واستدارت  تغلق باب غرفتها  : " ماذا تعرفين عن مي ؟ .. ماذا تعرفين عني ؟ ماذا .. ؟ .. ماذا ؟ " .. هذه الاستفهامات تشي بحجم المرارة التي تعانيها  الفتاة في مجتمعات منغلقة لا توجد ثمة مصارحة من قبل الأبناء لأهليهم ، ولا تتوفر أجواء التحاور والنقاش الحر ؛ إنما الخوف والخشية من التعنيف الذي ينهال عليهم من الوالدين .. هذا الجفاء المر يرسم معادلة قاسية يكون من نتائجها الأبناء ضحيةً لعديد المهاوي التي يسقطون فيها بلا عون يتلقونه أو توجيه يحصلون عليه ليعينهم في مواجهة وتخطّي الصعاب . وثمة  تعلّقٍ آخر تتناوله الراوية / الروائية هو  نتاج الواقع الشرقي ؛ ذلك الذي يشكل عقدة ارتباط البنت بأبيها . ارتباط تبرره حالة افتقاد البنت لمن يصاحبها من الذكور فلا تجد غير الأب صورةً للتعلق  وشجرةً تريد من أغصانها أن تحملها وتظللها . وهي في هذا الخطاب تشير إلى ذلك بعمق ، وتتذكره بلوعة . وهي هنا تتعلق بأبيها تعلقاً روحياً إذ ساورها شعور بعد أن أحبت الرجل الذي تعمل معه في مكتبه أنها تخون أبيها وتسرق من حبّه لها لتمنحه حباً للآخر / الحبيب : " على نحوٍ ما ، غامض ، كان حبي له خيانة لأبي ، وليس للخيانة  ذلك الطعم المر كما الأفلام ، بل ذلك الطعم الغامض ، الحريف نوعا ما ؛ وكلما تضاعف عشقي المجنون ، ازدادت خيانتي الغامضة عمقاً ، وأفعاي وذئبي والضبع هم المعرفة . "

وفي عشقها الذي يستحوذ على مشاعرها تروح الراوية / الروائية ترفل على نسق الكلمات التي تنضح موسيقى داخلية مثيرة ، وهم بوحي يتقطر براءةً ، فيسر بكل ما في الأعماق مظهراً إياه إلى السطح فيتلقى القارئ  شلالات من الشعر الحامل لهوية القص ، أو القص الذي استعار الشعر لكي يجمّل وجوده وينشر شذاه في دروب القراء .. لنقرأ ؛ ونتوه ، ونتساءل إن كان الذي نقرأه شعراً أم سرداً ، والخطاب يعجُّ كثيراً بهكذا تراكيب : " عيناه ميزان ، كفاي مرجوحة ، وعشقي ضارٍ ، تبعثري ذرات هباء لا تثقل الموازين القسط ، أتعلق في خطوط تتوزع من البؤبؤ ، أتأرجح حتى الفجر الصادق ولا أرجح . اشرب الفجر فأشع ، وحين يحويني الألق ، تلقي عليَّ الشمس رداء الرضا ، وتأخذني هدأة السكينة ، فأتواجد ، ليهتز الميزان  ، ليغرسني فيه ياسميناً خفيضاً أبيض. " ص54

 والراوية هنا تمتلك قدرة ألحكي المؤثر الذي يجعل المتلقي في حالة من التتبع لما تقول وما تلمّح به أو تشير إليه . وقولها يعكس التعالي الثقافي والسعة المعرفية ؛ أي أنها تتحدث بلسان مثقفة امتلكت صولجان الحديث ذي السمة الثقافية العالية ، وذا يدفع المتلقي للتوصل إلى أن ما يأتي قصّاً عبر السرد ونثر المشاعر  إنما يأتي من وعي عالٍ للمحيط والمشاعر والأشياء . فشفرة الحب تدفع الراوية في لحظة تداعٍ أقرب إلى النهوض توّاً من حلم يقظة وسرد ما يتشكّل من بقايا الحلم  المنفض حيث يمتزج وعيها للأشياء الماثلة بمعلوماتها وخزينها المعرفي . تحيل التاريخ برموزه الايقونية إلى لوحة ، بطلتها هي ، والدافع إلى الإفصاح شفرة دلالية  واخزة  أو هي مدغدغة ، أو حتى هامسة . وشفرة . “ خيول الروم تعرفني وإن يتبدل الميدان . خيول الروم تقصدني ، تتريض قليلاً عليّ ، ثم تنهض لنغني قليلاً لسيف الدولة ، لا يقول لساني إن الحوافر  قد شلته ، لأنها  شلته ؟ خيول الروم تعرفني ، في التماعة  عين فرس عربية رأيت  الجدران ، وكانت من الزجاج . “ ص21

يأتي الوعي في أعلى درجات هياجه لحظة اكتشاف الحبيب قد ملَّ العلاقة وإرتأى أن يتم الفصل لا بطريقة المكاشفة وطرح الرأي بل بأسلوب القطيعة التي يقرها العمل ، يوم جاءها ليعرض عليها مكاناً وظيفياً آخر يحقق لها ارتياحاً أكثر وساعات أقل وطأة في العمل وكـأن الأعصاب لم تحترق ، والدواخل لم تتلظَّ ، والقلب لم يخفق شغفاً ، واللسان لم يجف حيرةً .. يأتي الوعي ليعبر عن ختام الحلم العسلي وابتداء نغمة الندم الذي لا ينتهي ؛ لأن كسر الزجاج لا يُعاد إلى أول تشكيلته ووجوده الأصيل ، واللعبة لم تعد تكتنز الإثارة ورغبة اللعب :  “ صديقي يمل لعبته ويريد التخلص منها بأقل الخسائر الممكنة ، وبأعلى درجات الدهاء . انه يهتم بكل التفاصيل الصغيرة التي تقنعني بالانتقال ، ويبدو مهتماً بي أنا لا بالموضوع الأساسي الذي يعرضه مغلفاً بأرق وأزهى الأغشية كأي هدية ثمينة، فلتتساقطي عليَّ شهداً جنياً أيتها الهدايا ؛ كم لعقتُكِ حتى السُكر ! ؛ حتى صحتُ من وجدي : أنا هو وهو أنا ، فلتساقطي عليَّ شهداً قد حال عليه  الحول ، فالمرارةُ عليه تحوم ولا تكاد تحط، ولتساقطي شهداً مراً لعقته أسدد ثمن السكر الذاهب ، ولتساقطي يا هداياه  عليَّ اليوم  سمّاً ناقعاً في جرار الشهد . “ ص81

إن جوخة الحارثي في خطابها الروائي هذا امتلكت الصور الوفيرة  ، وقدمت من وسائل التعبير ما تستطيع البوح به شعراً وإنْ  كانت مشدودة إلى السرد . لذلك حين تقرأ هذا الخطاب لا تدري إن كنتَ تحلِّق بجواد الشعر أم ترفل على يناعة القص . وليس لديك رغبة الفرز بين الجنسين ، لأنهما في هذا الاشتغال تداخلا وتماهيا    فتمظهرا تدويناً فسفسائياً يُعطَّر برائحة الألوان ويتنغم بتونات الصور لذلك يساورك إحساس أنها تتجاوز  اللغة العادية مندفعة إلى إقامة علاقات حوارية ذاتية مع الأشياء والمفردات التي تستخدمها استخداماً يترك أثرها حفريا في الذاكرة الرهيفة المنصتة لموسيقى الشعر المذاب في بوتقة رحيلها السردي الذي يضع الأحداث وراءه لكي يحقق التحاور بلسان الشعر ..

 هي هنا روائية تمتلك روح هفهاف ، وذائقة مستحمّة برحيق اللغة الوردية الجامعة لزهور حدائق البوح الصدوق .

تراجع

 

 منامات: نقلة أولي لتأسيس رواية مفتقدة في عُمان ومقاربة كابوسية للحُب والفقد

  قراءة عبدالله الريامي                     

(1)
يكتسب الابداع الروائي فرادته وحداثته الأدبية من اشتغال بالمصير الفردي، في الظاهر. مُعبراً عن أزمة سياسية (فكرية) وجودية في الباطن.
رواية منامات الصادرة حديثاً للكاتبة العُمانية جوخة الحارثي، تتقاطع مع هذا المفهوم. رواية تقول الصمت الذي يرافق الشعور بالخلل الموغل في الذات والمجتمع. مقاربة كابوسية للحب والفقد والمكان. كتابة وُلدت من التمزق الحميم بين الواقع والحلم. بين الحياة والموت. مشغولة بعناية وجُرح. جرح الاكتشاف الأول، ملامسة الأشياء، أسر اللحظات، كما يفعلُ رسام أو شاعر. من دون تجاوز أو ذوبان، بوعي فني لاختيار الشكل (الروائي) وأدواته.

(2)
الكتابة، هنا، تسعي لأن تكون علي خط المواجهة مع القبح والقهر. تقدِم الكاتبة شهادة قاسية في واقعيتها لنموذج الرجل في مجتمعها، فهو منتفخ بـ(أناه)، مريض بنرجسيته، خاضع، مُزيف، كذاب، جبان، وحتي المُراهق أبله. لا ينجو من ذلك سوي الأب الذي طواه الموت بعد أن فاجأه ما أقعده علي كرسي متحرك، وبقي حاضراً في الذكريات، وفي كابوس دموي مُتكرر تبدأ به الرواية، ولا ينتهي، عنه وعن أشياء أخري.
في المقابل، هناك نماذج للمرأة نمطية في تقليديتها، بحكم استمرار تقليدية المجتمع، بينهن أمهات، جدات، لكنهن مُميزات بالمعاناة والنبالة وحتي بضرب من الحكمة. أما المرأة الشابة فهي الطالبة الجامعية (الموظفة) المثقفة الساعية للتنوير عبر تعليم الكتابة لمن فاتهن ذلك، الشجاعة في الجهر بآرائها، المشتعلة بالفكرة، المؤمنة بقضية حد احتمال الضلوع في تنظيم سري.
من مبدأ لا اطلاق في الحياة والأدب فان نموذج الرجل، في الرواية، سائد فاقع في الواقع. وليدافع من شاء عن نموذجه المضاد. لكن الملاحظة الملحة، هنا، هي أنه لا وجود لنموذج امرأة مشوهة في مجتمع مشوه الرجُل والقيم؟
وتبقي مي، المناضلة، التي غدت الاستشهادية آيات الفلسطينية مثالها، سؤالاً: هل هي ظاهرة راهنة، أم أنها اشارة الي واقع ممكن حتي وان بدأ عبر حلم الكتابة. مي، في كل الأحوال، هي الضوء في مجتمع قاتم مطفأ، في الرواية والواقع علي حد سواء.

(3)
الكتابة، هنا، علي خط المواجهة مع الكتابة نفسها، باعتبارها قوة وسحراً. وباءً حين ترن الكلمات في الداخل ولا تُسمع. خلاصاً نحيلاً، عندما لا يطيق الألم تجسد الكلمات. عندما تتمدد شقاء في براح الروح. عندما تصبح جمر المشي حافياً علي وهم التوحد مع الآخر.. تكثر توصيفات الكتابة في الرواية، بحثاً عن ماهيتها، أو علي الأقل محاورتها، نديماً للروح، شافياً محتملاً من جروح الماضي.
تتساءل الراوية، الشخصية الرئيسة، بألم: حين انزاحت غشاوة الجهل، حل خمار المعرفة، كيف يمكننا أن نري الغابة من كثافة الأشجار؟ ، يعكس التساؤل طبيعة الصمتين في الرواية، الأول: صمت طليق، فني، في نسيج الاشتغال الروائي. والثاني: صمت أسير الكوابح النفسية والثقافية والاجتماعية، في انتظار مِراسٍ أكبر، في انتظار انجاز المهمة الروحية والابداعية للكتابة: خلخلة تلك الكوابح وتصفية أو مقاربة اكراهاتها علي الوعي والشعور، ازاحة خِمار المعرفة كما انزاحت غشاوة الجهل، بموهبة السؤال وارادة المواجهة المفضية الي المسؤولية. المواجهة والمسؤولية دليلان علي الحُرية.
أسئلة الذات والوجود الأكثر اتساعاً، غير محاولة محاولة مقاربة الحب والموت، تحيا أسيرة، في الرواية، بين رماد الصمت وقوة الشهوة. من هنا تقع هذه الكتابة في المسافة المُعذبة بين دخان الذكري (الماضي) ونار الحُرية (المستقبل) فهل ستحمل الرواية التالية، للكاتبة ولأقرانها، قبساً من نار.

(4)
الراوية، الشخصية الرئيسة، شابة فقدت الأب. أنهت دراستها الجامعية وتعمل حيث عشقت زميلها عشقاً مُستحيلاً، فالحب عنده لا وجود له، فهو، يرغب أو يكره، مخطوبٌ لابنة عمته كما في التقاليد التي لم تزل، ومشغول بطرق انتهاز الامتياز الوظيفي. لذلك وقعت في سحيق الأذي الذي نلحقه بأرواحنا حين نحاول دمجها بأرواح أخري . أصيبت بتشنجات، نوبات صرع، مزقتها كوابيس ومنامات لا تنتهي. خضعت للعلاج العصبي، وللعلاج الشعبي علي ظن أنها مسكونة بالجن. لكن حقيقة مرضها هو اليأس (الاكتئاب) الذي لم يفهمه غير عمتها الذكية التي رأت انتكاسة الحُب في عينيها، فلا بد وأنها قد مرت بذلك يوماً، فاعتنت بها، تغمسها في ماء الفلج الدافئ، تفركها، تفرِق شعرها تحت الماء، لتسكين الهموم، ونفي الحزن، وتبريد القلب.
كانت العمة سلوتها وشقيقتها في الفقد، تزيد عليها بفقد ابنها حمد الذي أقسمت أن تشرب غسول قدميه ان عاد، وعاد شاباً بعد أن كان قد انتزع من ثدييها، تحت أشجار الموز، في زنجبار بعد طلاق.
أما الأم فتزوجت من مقتدر لأجل تربية الأولاد وحتي لا تتسول الأخوال، وهكذا بعد سنتين من وفاة الزوج (أصبح حضن أمي لرجل آخر)، ولم تكن علاقتها بابنتيها حميمة، بمعني فقدان الاتصال (الحنان) بينهم، الأمر الذي لعب دوره بضراوة في السوية النفسية للراوية وأختها. زوجها كثير الغياب بحجة الانشغال بينما يتغامز الآخرون علي ذلك: ألأنها لم تمنحه طفلاً؟ حرصت الأم علي كبرياء تريده أن يشع في عينيها المطفأتين باليأس، وأقراص بروزاك المضادة للاكتئاب المُزمن.
مي، الشخصية الرئيسة الأخيرة، مصدر القلق الدائم، أوصلتها مراهقتها في تعلقها بمدرسة الرسم في الثانوية، حداً غير طبيعي، لا يمكن السكوت عنه! بينما تتحمل الراوية، الأخت الأكبر، تقلباتها النفسية وتتحمل عبء الوظيفة من أجل أن تصرف علي فساتينها وعطورها الباذخة، وبعد ذلك علي دراستها في جامعة عجمان (الامارات) ذلك أن مجموعها لم يؤهلها، بصفتها أنثي، الالتحاق بالتخصص الذي رغبت في جامعة السلطان. وعادت مي بالشهادة وبأفكار جديدة، تلبس الكوفية الفلسطينية مثل الشهيدة آيات، وتنظم التظاهرات لأجل الحقوق والحقوق العربية المهدورة، مثيرة خوف البيت من أن تتورط أكثر، وتقع في المحظور السياسي: تنظيم سري.
ما تقدم هو محاولة لتلخيص أجواء الرواية، فماذا تقول الكاتبة نفسها، في المتن، عن روايتها: أريد نظاماً ما وسط هذه الفوضي، أريد مشجباً لتعليق الذكري، ومقصاً يعيث في أنسجتها تصنيفاً، متي بدأ الخيط الأول؟.. ماذا أريد الآن؟ أني أرتب هذا العالم الضاج؟.. أقول لنفسي: فلأسرد هذه الأحداث المجنونة سرداً منطقياً، فاذا بي أكتشف ألا أحداث هناك، مشاعرٌ فقط، مشاعرٌ تختزل الحياة كلها، أما مواقفنا الحاسمة معاً، والأحداث الضخمة، فلا تكاد توجد، التقينا، تعذبنا باتقان، ثم افترقنا، هذا كل شيء، وأختنقُ الآن كأي حمقاء بالدخان الذي نسميه ببساطة، بمحاولة اقصاء، بتواطؤ غبي: الماضي !
هذا التوصيف، بالضبط، هو ما أخذه بعض من كتبوا، وفي مقدمتهم المحرر الأدبي لـ رويتر ، حُجة علي أنها ليست رواية بالمعني الفني المُتعارف عليه وخالية من الأحداث!! دون توضيح منه للمتعارف عليه؟ لكن يبدو أن المقصود بالمتعارف عليه هو أن تقف الرواية العربية عند ما أنجزه الروائي الكبير نجيب محفوظ، غافلين عن انجازات تجريبية الرواية بعده، لاغين كل الجماليات التي طورت السرد العربي وما زالت.. أليست المشاعر أحداثاً، أليس السرد هو ما يأكل الحياة ـ حسب موريس بلانشو ـ أليس الكلام (كل الكلام) هو دائماً الكلام الأخير الذي لا يُنهي القول ولا يُشير الي بداية. اذا كانت الرواية ـ حسب بلانشو أيضاً ـ هي الكلام الآخر الذي لم يصنع الحكاية، فهل يروي الشعور ويسرد؟ هذا ما تجيب عليه هذه الرواية ومثيلاتها بنعم روائية.
استثمرت الكاتبة تقنيات سردية مختلفة، تعدد المستويات والضمائر، التوازي، الفلاش باك، والرواية كاملة تحققت ببراعة أسلوب التقطيع - المونتاج السينمائي.

(5)
تجري اللغة كما يجري الماء كثيف الحضور، في الرواية، ترميزاً ومشهدية. تنساب، أساليب وثقافةً، متعددة الروافد في تجريبية متناغمة، من استعارات قرآنية، الي قراءات في الرواية المعاصرة، الي الشعر العربي قديمه وحديثه، وحتي الاستعانة بمقتطفات صحافية، وصولاً الي لغة النص الصوفي الذي تستأنس به الكاتبة كثيراً، وكأن النص الصوفي جسر بارع للعبور من وعي الي آخر، من ثقافة دينية الي ثقافة مفتوحة. هناك توظيف لمقاطع عديدة لأبي حيان التوحيدي، جلال الدين الرومي، (وغيرهم؟) كما يرد النص الصوفي حواراً علي لسان بعض الشخوص! ويبلغ الافتتان مقاطع تستفيد فيها الكاتبة من اللعبة الحُروفية للمتصوفة، تنوع عليها، تستنطق الحُروف كيما تبوح بمعني أو تعكسه، كأن الحرف صورة المعني. تلعب بالألفاظ المتشابهة مختلفة المعاني، ليس جناساً وطباقاً ومقابلة، لأن الأمر يتطور الي ملاحقة حرف بعينه (الخاء، الدال، السين) تتبعه في الكلمات لتشكيل القول في جُمل ومقاطع تتوخي تشابكاً فنياً يفوز بتراكيب ومعانٍ متنوعة. شغف بلعب لغوي مُحبب اذا ما توقف عند هذا الحد! تدرك الكاتبة، ولا شك، أن ذلك فسحة داخل الأسلوب نفسه لا أكثر. الباعث علي الملاحظة المقاطع الكثيرة نسبياً، لهذا التنويع، مقارنة بحجم النص كاملاً.
اللجوء، هنا، الي توظيف لغة النص الصوفي يتجاوز حاجة التنويع الأسلوبي الي صميمية المناخ النفسي العام للرواية، في انعكاس صادق لطبيعة وصراع الشخصية الرئيسة. فتجربة العشق الكاوي المستحيل وآثاره العنيفة الضارية علي الروح والجسد يجعل من تعبير الراوية: أنا هو وهو أنا نطقاً شخصياً طازجاً، لا استعارة صوفية منبتة أو مُقحمة.

(6)
في مُجتمع ذكوري، بالرغم من بعض مظاهر الاقتسام الأنثوي، تصبح علاقات التواصل بين الجنسين غير سوية، ويصبح المجتمع مغلقاً بالرغم من أن البيوت مقفلة علي الأسرار المشاعة ، كما ورد علي لسان الرواية التي سعت لتفاعل علاقات وموجودات، حسياً ومادياً، عقلانياً وآلياً. وعملت الشخصية الرئيسة ـ في حالات وحدتها المريرة ـ علي أنسنة الأشياء ومخاطبتها وتحويل الأحاسيس الي الجمادات من أجل بعث الحياة في عالم مغلق.
عكست الرواية بعضاً من التيه والتأرجح بين قيم المجتمع التقليدية وحداثته المزعومة. ولامست بعضاً من تجليات الفضاء العُماني مكاناً طبيعياً واجتماعياً، تاريخاً ومعتقدات موروثة. وتناثرت هنا وهناك حاسة تشكيلية جميلة هي مزيج من الفطرية والاكتساب.
اذا كانت الكاتبة قد لامست جروحاً يومية مفتوحة، فان الأهم هو قرعها لناقوس لا يريد أحد أن يسمعه: اننا نعيش في بلد مكتئب، وان الأمراض النفسية والعصبية تسري كالنار في هشيم مجتمع ملتاع، مأزوم، وبلا هدف.

ہ شاعر من عُمان

مقطع من الرواية

غرفتي صفراء، أردتها زرقاء فكانت صفراء، كلُ شيء أصفر: الأثاث والفِراش والستائر. الجدار، وحده الجدار، به زرقة فاتحة.
نقوش الأباجورة الصينية تنحلُ من زرقتها، وتتحرر، فيطير هذا الطائر الأزرق ذو الذيل الطويل حولي، وحين يملني أفتحُ له النافذة الصفراء.. وفي آخر الليل أجده، بدفئه الناعم، نائماً لصق خدي. وهذه الزهرة الزرقاء، الوحيدة علي الجدار، تقوم برحلاتها السرية كل ليلة، ثم تعود مُبتسمة بهُزء الي اطارها. لا أعرف أي دروب ترتاد، لم تخبرني قط. علبة الأدوية علي الطاولة الصغيرة، حبوب بيضاء وصفراء تتحول الي عيون. عيون واسعة تدخلني وتراني من الداخل، لا يغرقها الماء ولا تنهضم.
عاد الطائرُ الي فننه الأزرق، أنظر اليه ولا ينظر الي، أسمعه، أسمع تغريده الجميل وأغمض عيني علي الدمع. قال خالي، أصغر أخوالي: عشقت حرف العين من زد الحُروف ، وأحاط زوجهُ بذراعه، زوجه الجميلة، ابتسمت، وطفلتاهما ضحكتا، هذه الورود صناعية، مجرد بلاستيك ملون. لا داعي لأن تفرح يا داخلي بها، ولا داعي لأن توحي لك بالحدائق والبساتين، وخالي سافر وزوجه الي تايلاند، وصورهم مع الفيلة دارت من يد الي يد، وخلف الصورة، خلف الفيل، بستان كبير، ووروده غير صناعية.
الوردة الزرقاء الكبيرة تغادر الوسادة الي قلبي. قلبي مُجللٌ بوردة زرقاء كبيرة، الوردة علي قلبي كلطخة، الوردة تلف قلبي كقماط، قلبي مولود صغير ملتف بقماط من وردة زرقاء كبيرة نائم علي عربة خلفها الحُب. قال وهو يسحب ستارة البلاستيك البيضاء: القــــرب يزيد ألم الاثنين ، ستارتي الصفراء تنسل منها خطــــــوطها، وتصبح تجاعيد من حولي.. الثريات تلمع، وتحمل روحي فتافيت صغيرة مؤلمة، ومبتسمة. رادت الروح تلك الدروبُ الملتوية، المظلمة، التي يشع النور من جانب خفي منها، واهتدت الروح ـ رغــــم العتمة، رغم حلكة الضوء الغامض ـ الي آخر الدروب المُراوغة، ولم تجد بغــــيتها حيث انتهي الدرب. لم تختبئ الشموس هناك ولم تتخف الأقمار في صناديق جديدة. الصندوق الذي أهدته أمي مي لتفوقها، علبة الألوان والمشابك، ومي علقت الصندوق في غرفتها، وقال لهـــــا موظف القبول بجامعة السلطان: نقبل الذكور فقط بهذه النسبة ، ومي بكت لأنها لا تريد أن يدفع زوج أمي تكاليف دراستها. قالت أمي: لكنه قادر ومستعد . ردات الروح تلك الدروب ورجعت بلا عطايا، من قلب زهرة اللوتس خرج وجهها، وجه مي الطفلي، وحين مددتُ يدي لم تلمس خدها اللدن، تدلت المصابيح من السقوف ولمست ألمنا، والمصابيحُ أرادت أيضاً أن تتحول عيوناً كبيرة مضيئة، تنزلق بدواخلنا لتضيء تعاريج الألم من عُمق نهشته.

منامات، رواية ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2004. وهي الكتاب الثاني بعد اصدار الكاتبة لمجموعة قصصية.

تراجع

فاعلية الخيال والأمكنة في البنية السردية

قراءة عزت عمر              

عندما قرأت مجموعتها القصصية الأولى "مقاطع من سيرة لبنى" أدركت أن هذه القاصة المُقبلة من عُمان سيكون لها شأن مهم بين أقرانها من كتّاب القصّة القصيرة، وذلك بما امتازت به من لغة سردية لطيفة وذكية تعاملت بمهارة فائقة مع تفاصيل حياة المنزل وشؤون وشجون المرأة العُمانية التي ما زالت تسعى لتأكيد حضورها الإنساني والثقافي في وسط تقليديّ ضاغط وعلاقات وعادات اجتماعية أكثر ضغطا. والمهم أكثر من هذا وذاك أنها قدّمت لغة مفارقة من حيث البنية التعبيرية أو من حيث توجّهات خطابها السردي الذي ابتعد عن المباشرة والخطابية وما تضمنه من إيديولوجيا وعظية، وتركت شخصياتها يعبّرون عن اللحظة التي يعيشونها بلغة البراءة الإنسانية الشفافة، والتي لم تخل من شاعرية واضحة وواثقة من قدرتها على التعبير سواء عبر الصورة الوصفية البصرية ومزيج ألوانها المدهش، أو عبر رمزية أسست لها حساسية شبابية انفتحت مبكراً على ثقافة العالم.
اليوم تتّجه جوخة الحارثي إلى الرواية، وتكتب روايتها الأولى وهي لما تزل في منتصف العشرينيات من عمرها، وكأنها بذلك تريد أن تؤكّد ذاتها الإبداعية في هذا الجنس الكتابي الصعب، وتضارع أقرانها من الكتّاب والكاتبات في ولوج غابات السرد المتشعبة، والكتابة الأولى هي في العموم كتابة أولى لها إيجابياتها ولها سلبياتها، ولكن إيجابياتها أكثر فيما إذا أدرك الكاتب/ة أنه في بداية مشواره الروائيّ، وأن آخرين كثر قد سبقوه في هذا المضمار، بمعنى أن يتوخّى الموضوعية في الحكم على تجربته المتواضعة، وأن مشواره ما زال في بدايته.
1
- سيميائية العنوان.
"منامات" الاسم النكرة ذو الدلالة على توجّه سرديّ ينهض على التخييل للحظة مسروقة من وقت مستقطع، تكون فيه الذات حرة وطليقة من أسر الزمان والمكان والبشر الطيبين والأشرار؛ لحظة ذاتية وخصوصية جداً، ولكنها في الوقت نفسه تعبير عن رغبة أو رغبات تسعى للتحرر من ضرورات الوعي الخاضع لاشتراطات جمعيّة تستوجب على الدوام التقنّع بقناع محدد. وهكذا فإنه ليس عن عبث انشغل علم النفس كثيراً في هذا الجانب الغامض من حياة الإنسان الحديث عموماً، وعلى نحو خاص ذات الكاتبة الإبداعية التي تستيقظ في وضح النهار لتصوغ أحلامها على النحو الذي تراه ملائماً للتعبير عن رؤيتها الفكرية، أو للكشف عن بعض جوانب ذاتها القلقة والمتضررة من جرّاء أزمة عدم الفهم ما بين الذكورة والأنوثة كنتيجة مباشرة لسيطرة التقاليد وهيمنة الذكورة.
ومن هنا فإن العنوان قد لا يشي بأزمة عدم الفهم هذه، بينما صورة الغلاف، وهي لوحة للفنانة المكسيكية فريدا كاهلو سوف تشير رمزياً إلى ذلك كعتبة أولى، لتأتي الأحلام فيما بعد لتؤكّد بقوّة تبعية المرأة للرجل كرمز لسلطة اجتماعية وثقافية غير منظورة، ولكنها ملتمسة من خلال سلوك الشخصيات النسائية المتعددة في الرواية، بما في ذلك الشخصيّة المحورية والساردة بضمير المتكلّم، والتي يمكن اعتبارها نموذجاً معبّراً عن محدودية مساحة الحريّة التي ما زالت المرأة المثقفة تعيش فيها، فهي بتعبيرها أشبه بالمربّعات المتجاورة التي ليس من السهل تحطيم أضلاعها والانفتاح على بعضها في الحدّ الأدنى، وربّما الحال كذلك بالنسبة للرجل الذي وجد نفسه أسير هذه المربّعات التي صنعها بعناية، ثمّ باتت وبالاً عليه، ومثاله الشاب المثقف الذي وجد نفسه محكوماً سلفاً لتقاليد العائلة بالزواج من ابنة عمّه بالرغم من حبّه لزميلته في العمل ورغبته في العيش معها. وبالتالي فإنه سوف ينسحب منكسراً تاركاً الحبيبة تعيش حالة من الحزن والألم والسخط العارم عليه.

2 في تقنيات السرد.
2.1 الأنا الساردة.
ينهض السرد من خلال راوية مُمثَّلة داخل الحكي كشخصية محورية تروي حكايتها بضمير المتكلّم، سواء عبر المنامات أو من خلال حياتها اليومية داخل المنزل، وبذلك فإن السرد سيأخذ بعدين: أحدهما واقعي، والآخر خيالي بلاغي يتناصّ مع كثير من النصوص الشعرية والصوفية. وعلى هذا النحو فإن الإخبار عن "الأنا الساردة" أو عن شخصيّة الساردة، سيتمّ في الغالب عن طريقها هي، نظراً لهيمنتها على محاور الحكاية وتهميش شخصياتها إلا في حدود ضيّقة، فلم تتمكّن هذه الشخصيات من إخبارنا شيئاً عن صورة الساردة، إلاّ ما جاء عفواً على لسان: أختها "ميّ" و "العمة" و"أمّها". وإن دلّ هذا التعتيم على شيء، فإنما يدلّ على رغبة الساردة في عدم إكمال صورتها أو هويتها حتّى نهاية الرواية، تاركة الأمر لقارئها الفطن للوصول إلى صورة محددة، وهي تقنية ذكية في كلّ الأحوال، لأن القرّاء سيختلفون حتماً في تكوين صورة نموذجية لها، وخصوصاً من الناحية النفسية، إذ إنها وبالقياس إلى أختها "ميّ" التي تمّ إخبارنا عن الطريق الذي اختارته بكلّ وضوح وشفافية، ستبقى شخصية شبه غامضة تستتر وراء لغتها ومجازاتها.
وبالرغم من أن حكاية الرواية جاءت موجزة وشريطها السردي لا يتجاوز بضع الصفحات، إلا أن الكاتبة تمكّنت من تأليف رواية تقع في مئة ونيف، مما يؤكّد أنها وظّفت طرائق سردية عدة لحكايتها، ومن ذلك تقنية المنام أو الأحلام التي دفعت بحكايتها نحو وجهات فنية وجمالية شتّى، إذ إن كلّ منام من هذه المنامات التي فرغتها الكاتبة من شريط ذاكرتها، يتألف من : ومضات حكائية + مشاهد وصفية + مشاهد بصريّة مؤفلمة يمكن اعتبارها بمثابة إضافة جمالية حيث برعت الكاتبة في تحريرها، ومثال ذلك مطاردتها لشبح أبيها داخل برج عال، حيث إنها صاغت هذه المطاردة على نحو سريالي جميل تعززت الصورة فيه بصوت صفير الرياح وبعض الأصوات الغامضة الأخرى، ثمّ مطر هائل تشكّل من دموعها فتكاثف وسال على السلالم كسيل هادر، ومن جانب آخر هناك وميض الدشداشة المنطلقة إلى الأعالي.
وكنموذج واضح لعنايتها بهذه المشهدية يمكننا تتبع لحظة وصولها أعلى البرج، حيث تقول: "وكان يقعد على كرسيّ عظيم، زخرفته نقوش بارزة حفرت بعناية على خشبه، زهور ببتلات تتعمّق إلى القلب.. فراشات بأجنحة مزخرفة بدقة، وطيور تمتدّ أجنحتها حتّى أعلى رأسه... تفيض السكينة نوراً على ذلك المكان العالي، وعلى ذلك الوجه المطمئن، ولم أعد أمام بهائه إلاّ طيراً خاطئاً صغيراً تمرّغ عند أقدامه تكتب كلّ دمعة من حدقتيه كلمة "أبي".
أمّا من حيث الفكرة ومعالجتها، سرعان ما سيتّضح للقارئ البنية التراجيدية القارة في أعماق حكايتها، وهي تكمن في فقدان الأب إثر مرض أصابه، وبذلك فإن هذه الحادثة ستكون بمثابة إطار مرجعيّ أوّلي، تعمل الساردة/الشخصية على الانطلاق والعودة إليه، وما بين ذهابها وإيابها، ستقوم بفتح أطر حكائيّة جديدة تضيء جوانب إضافية من حياتها، مما يمنح القارئ إمكانية تتبّع مسار الأحداث من خلال علامات محددة تقصّدتها كحيلة تقنية اقتضتها بنائية النصّ، وذلك لتمكينها من إدخال شخصيات جديدة، وتطوير الأحداث بما يخدم مقاصدها، أو المغزى المراد إيصاله، ومن هذه العلامات النموذج التالي: "في المنام رأيتني أخلع قميصاً بيتياً لأعطيه خطيبته معتذرة لها عن طول الاستعارة، وانخلعت عن جحيمي بمعجزة."
وإذا ما تمعّنا في هذه الجملة الإخبارية القائمة أساساً على التحفيز اللغوي، سندرك جانباً من معاناة الساردة، واضطرارها إلى التنازل للخطيبة عن الحبيب، دون أن تكشف عن سبب هذا الاستسلام غير المعهود بطبع المرأة عادة، بدليل أنها عبّرت عن فرحتها بالخلاص من جحيم كانت تعيشه. ومع ذلك سنلحظ أن شخصية الحبيب ستبدأ بالتموضع كإطار حكائيّ مرجعي إلى جانب الإطار السابق، ستذهب الساردة إليه لتكشف عن جانب من ماضيها الجميل وأسباب انكسارها بعدما خيّب الحبيب أملها في متابعة مشوار الحبّ. وإبّان عملية المواجهة سوف يتابع القارئ جملة من القضايا المؤرّقة للمرأة ستسعى الشخصية الساردة للكشف عنها، ولكنها من جانب آخر لن تحاول ولا للحظة واحدة التماس مبرر لانكسار الحبيب أمام قسوة التقاليد، إذ كانت على الدوام تراوح ما بين نوعين من الأحلام يذهب أحدهما نحو ذكريات الحبّ السعيدة، بينما الآخر سيسعى لإدانة الحبيب الذي تخلى عن الحبّ لدوافع انتهازية ذكورية واضحة.
ومن الملاحظ أن علاقة الحبّ التي سردتها الشخصية المحورية، كانت تمّت قبل سنوات من روايتها، وهذا يعني أنها، وبالضرورة، لم تكن موضوعية في حكاية القصّة وفي تأويل سلوكات الحبيب نظراً لأنها كانت طرفاً متضرراً من جهة، ولحاجتها الملحّة إلى بطل منقذ بعدما توفيّ والدها وعاشت في البيت مع زوج أمّها واضطراب حياة الأسرة المكوّنة من أمّها وأختها ميّ. حيث ستنشغل أمّها بزوجها الجديد، بينما تغادر أختها إلى الجامعة للدراسة، وستبقى وحيدة في مواجهة الذكورة محتارة وشبه ضائعة، بينما أختها مي ستسعى لتحطيم أحد أضلاع المربّع الرمزي، والتحرر من أسر المربعات الأخرى بالإعلان الصريح عن أنها إنسانة حرّة، وقد اختارت طريقها الذي تريد عن قناعة ولا تخاف من المواجهة، بينما الساردة ستعيش أحزانها، وليس ثمة من يقف إلى جانبها في هذه الأزمة التي عصفت بها، فكان أن أصيبت باكتئاب نفسي حاد كاد أن يودي بها لولا العمّة التي ستسعى إلى إنقاذها بعدما أدركت علّتها.


3 الفضاء الحكائي.
3.1 ميثولوجيا المنزل وجغرافية الجوار.
المفارقة اللطيفة في هذه الرواية تكمن في اهتمام الكاتبة بالمكان كحيّز جغرافي يحتوي الشخوص وكثيراً من الأشياء المرتبطة بهم وبحياتهم، وقارئ الرواية سيلتمس كثيراً من التفاصيل الأليفة والحميمة التي احتفت الساردة بها منذ لحظة انتقالها إلى بيت عمّتها المبني في الجبل، ومن ثمّ موضعت هذا البيت كإطار حكائي جديد يحفّز مخيلة القارئ في تتبع شؤون وشجون المرأة العُمانية داخل المنزل، وفي علاقتها بالجوار الجغرافي من بشر وطبيعة وكائنات أخرى، ثمّ تتبع أثر هذا المكان في الشخصية الروائية من حيث الألفة أو العداء. ومن هنا فإن بيت العمّة سيكون بمثابة مرتكز دلالي تتفاعل معه الساردة إلى أقصى الحدود، نظراً لأنه يتّصل بفضاء طبيعيّ منفتح على: جبل وبحر وسماء وماء وخضرة لا متناهية، وستترك هذه الطبيعة الأليفة آثارها الإيجابية في نفسية الفتاة المضطربة. ومن جانب ثان فإن ناسه الطيبين سيساهمون بدورهم في زعزعة هذا الاضطراب ومن ثمّ اجتثاثه من جذوره، لتدرك الساردة فيما بعد أنها تفتقد مثل هذا العالم الجميل المليء بالحبّ والمودات، بينما على العكس من ذلك سيكون منزل زوج أمّها الخاضع لتقاليد زائفة، حيث إن جارات أمّها لا يزرنها إلاّ قليلاً، وبمواعيد مسبقة وولائم عريضة، وأحاديث غارقة في التذمّر من مسؤوليات الأولاد وغباء الخيّاطين ومصففات الشعر. وإلى ذلك فإنها ستنتصر للبساطة والطبيعة ضد الأمكنة المعادية مجازياً: منزل الأم، والمؤسسة التي يعمل بها الحبيب السابق، بل والحبيب ذاته، وسوف تعبّر عن ذلك قائلة: " أحسست بأني قد ولدت هنا، وتنفّست عمري هذه الروائح المعتّقة... وهذا الشذا الغامض من الزعفران والصندل والبخور الذي يفيض من هؤلاء النسوة، وهذا الحديث الحزين الشفيف. أين أنت من هذا العالم؟ أين روائح الأحبار والمعامل وعطرك القويّ؟ أيمن كلماتك التي غرست آلاف الأشواك في جسدي"؟
وكان لابدّ في المقابل أن ترصد كثيراً من أجواء الأمكنة الأليفة الحميمة، والتي أسهمت في شفائها من "مرض الحبّ" إن صح التعبير، ومن ذلك بعض الممارسات الطبّية النفسية المعتمدة على رجال الدين، أو من خلال الأعشاب الطبية التي اختارتها العمّة بعناية، وبالإضافة إلى كلّ ذلك إعادة تبيئتها مع الطبيعة التي انقطعت عنها في حياتها المدنية والوظيفية، حيث غالباً ما اصطحبتها عمّتها إلى مياه الينابيع النقية لتغتسل، والماء إضافة إلى رموزه المتعددة: "يسكّن الهموم وينفي الحزن" بتعبير العمّة، وهكذا فإنها بعد برهة زمانية سوف تعود إلى حياتها الطبيعية سليمة معافاة.
ومن جانب آخر وفي صدد الأمكنة ذاته ستسعى الكاتبة إلى استخدام رمزية اللون ما بين العالمين، وستكتب فصلاً مثيراً عن المكان غير الأليف، ونعني به منزل زوج الأم وغرفتها الحافلة بالصفرة، وأثر هذه الصفرة على نفسيتها وأختها ميّ، إذ إنها وتحت عنوان "غرفتي في بيت زوج امّي" سوف تخبرنا بما يأتي: "غرفتي صفراء، أردتها زرقاء فكانت صفراء، كلّ شيء أصفر: الأثاث والفراش والستائر والجدار وحده به زرقة فاتحة"، ولكنها بالرغم من هذه الصفرة الضاربة أسوارها من حولها، فإنها سوف تحفّز خيالها مع بعض ألوان الأثاث، وخصوصاً الأباجورة الصينية الزرقاء وطائرها الأزرق ذو الذيل الطويل الذي تسمح له بالطيران خارج الغرفة، وكذلك الأمر بالنسبة للوردة الزرقاء التي تغادر الوسادة إلى قلبها.. "قلبي مجلل بوردة زرقاء كبيرة، الوردة على قلبي كلطخة، الوردة تلفّ قلبي كقماط، قلبي مولود صغير ملتفّ بقماط من وردة زرقاء كبيرة نائم على عربة خلفها الحبّ."
وفيما إذا قارنا ما بين غرفتها هذه وغرفتها في بيت عمّتها من حيث اللون سنلتمس فارقاً شاسعاً من حيث التأثير النفسي، فالغرفة في بيت عمّتها لها نافذة تطلّ على الجبل، زجاجها مقسّم إلى مربّعات لكلّ مربّع لون، فإذا ما ألصقت وجهها على الأول تلوّن الجبل بالأحمر، وسقطت منه الحمم وثارت تنانينه وحيواته الباطنة، وإذا ما ألصقته بالمربع الثاني رأت الجبل الأزرق وقد اتحدت فيه السماء والبحر، وسارت مياهه ألقاً صافياً، وشهقت الأمواج على حواف الحصا، أما المربع الأخير فهو ينشقّ عن الخضرة حيث ينشقّ الجبل عن الجنان والفراديس ومارت بواطنه بسرّ الشجر وحياة الأغصان.
ومن هنا فإن الأمكنة عندها ستأخذ بعدين متناقضين تبعاً لعلاقتها مع السكّان ومواقفهم منها ومن الحياة ذاتها حيث إنها على الدوام كانت تنتصر للحبّ وتكبر من شأن الذين يقفون في صفّها: " ومن ذلك الصباح الذي أصبحت فيه وردة أدركت أن التفتّح يحدث مرة واحدة لا تنقفل الوريقات بعدها، وأن وضوح حرف الحاء، وانفجار صوت الباء سيظلّ ندى يروي قلب الوردة، ولن يتورع لسانه عن البوح بالكلمة المعجزة، الكلمة الماء، والكلمة الندى والنشيد والضوء، وعن نشر أريج الوردة التي أمتلكها بقوّة اللغة فأصبحت له." وليس أبلغ من هذا التعبير عن موقفها من الحبّ.

تراجع


 

منامات.. قراءة في البناء والرؤيا

        قراءة د.وليد خالص

تتبنّى جوخة الحارثي النّص السردي في التعبير عن تجربتها، وهي تنحاز لنمط خاص منه في هذا العمل الذي بين أيدينا، فقد أصدرت مجموعة قصصية سنة 2001 تحمل عنوان [مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل]، وها هي تستأنف مشروعها فتصدر [رواية] تحمل عنواناً آخر هو [منامات] فكأنّها أحسَّت أنَّ عنوان المجموعة القصصية قد مسّه شيء من الطول فآثرت للعنوان الجديد كلمة واحدة هي [منامات]، بيد أنَّ الأسلوب، والتقنيات المستخدمة، والأدوات التي عملت بخفاء لإنتاج النّصين ظلّت متقاربة إن لم تكن واحدة ممّا يشي باستقرار من نوع ما على طريقة في الكتابة تعتمد التكثيف، والمفارقة، والانتقال المفاجئ، والغرائبية، وبناء عوالم سحرية، ولم يكن أثر ألف ليلة وليلة ببعيد، بالإضافة إلى مخزون ثقافي واسع - كما سنرى - ممّا حدا بالعملين أن يأخذا السمت المتقارب في البناء والأسلوب معاً.

تدلف جوخة إلى فضائها السردي من خلال عنوان لافت لا يمكن تجاهله هو [منامات]، وهو يستدعي الكثير، وخصوصاً أنَّها قد أثقلت نصّها بجمهرة من المقتطفات، والإحالات من مصادر تراثية آونة، وحديثة آونة أخرى.

إنَّ جوخة بصنيعها هذا ذي الشقّين، أي العنوان، والنصوص المضمّنة قدّمت مفتاحاً بل مفاتيح للقارئ يتمكّن بها من فتح مغاليق النّص، والتعامل معه بحيوية، بما تتيحه له تلك المفاتيح من نجاح في تطبيق بعض المقولات النقدية مثل [النّص المحاذي] في مقابل النّص المتن، وما يسمّى بـ [العبارات التصديرية] التي تنتشر انتشاراً واسعاً في الرواية، وتتلبّس بالنسيج العام لها لتصبح جزءاً متلاحماً معها، وتؤدي أدواراً جوهرية كما سنرى.

هل تتحصّن جوخة بـ [المنامات] لتقول ما تريد قوله؟ وهل تتخذ من [المنامات] حجاباً تتخفّى وراءه لتقول قولاً يصل إلى حدّ البوح الداخلي، والمناجاة الباطنية؟ توالي الأحداث، ولا نقول، تسلسلها يهدي إلى هذا، إذ ليس هناك من ضابط لتلك الأحداث سوى تدفق المنامات واحداً تلو الآخر بما تختزنه تلك المنامات من غرائبية، وبُعد عن المنطق، ودخول إلى عوالم عجيبة، فهي تخلق بيد تلك المنامات عالماً موازياً ليس للكلام فيه حدود أو سدود، ويتساوى فيه المباح مع الممنوع، فكأنّها شهرزاد تروي، والكلام وحده هو الحاجز بين الموت والحياة، الخلاص هنا كما كان هناك بالكلام، فلتظلّ الاثنتان تسردان إذ لا مفرّ، فالنهاية محتومة، غير أنَّ هناك فرقاً بينها - وهو فرق جوهري- إذ إنَّ لشهرزاد حداً تقف عنده هو نهاية الليلة بينما يتلاشى الزمن وما فيه هنا، فلا توقّف، بل سرد متّصل، ولهاث خلف السرد، وهنا مكمن الاختلاف الحقيقي الذي أثّر بدوره على نسيج النّص كلّه.

هذا عن التسلسل والتوالي، أمّا المنام هنا فلا يمكن فهمه بمعزل عن ذلك المناخ الصوفي الذي جلّل [الرواية] وظلّ الصوت المرتفع المتميّز فيها، ونحن نعلم أنّ للمنام والمنامات تاريخاً معرقاً في التراث العربي، إذ نتمكّن من إحصاء عشرين كتاباً ويزيد عن هذا الموضوع، وهي بأقلام مؤلفين مختلفي المشارب، بعيدي التوجّهات، كثير منها لا يزال مخطوطاً، وما يعنينا منها هنا كتابان لاتصالهما الحميم بهذه الرواية، وما تقدّمه من أفكار، أولهما [منامات الوهراني]، تلك المنامات التي نالت من الذمّ والقدح أكثر بكثير ممّا حظيت به من المدح، وكأنيّ أقول إنّ عصر الوهراني وما تلاه وهو القرن السادس الهجري لم يفهم المرامي البعيدة التي أرادها في مناماته فاعتبرها شيئاً أقرب إلى السخف والتندّر، وهي - بلا شك - ليست كذلك، فقد تحصّن خلفها - كما تفعل جوخة - ليقول ما لا يتمكّن من قوله مباشرة بصريح الكلام، وقدّم فيها نقداً لاذعاً للمجتمع، وطبقاته، وإغراق ذلك المجتمع في ملذّاته بعيداً عن هموم العامة، فليس غريباً بعد هذا أن يتناولها المجتمع التقليدي بالكثير من التحفّظ والرفض، أمّا مَنْ استقبلها فهم أولئك الذين نطقت بلسان حالهم، ووصفت سبل عيشهم مع حفنة قليلة من المثقفين الذين كانوا هم بدورهم من [المهمشين]، فكأنَّ المنامات تلامس واقعهم، وما يعانونه من شظف العيش على ما هم عليه من تميّز وفرادة.

أمّا الكتاب الثاني فهو أشدّ تلازماً مع منامات جوخة وهو [روض الأنام في بيان الإجازة في المنام] لعبد الغني النابلسي، وهو لا يزال مخطوطاً، والنابلسي صوفي راسخ في التصوف، ذو مواهب متنوعة واهتمامات كثيرة، والإجازة التي يشرحها في كتابه هي جواز تلقّي المريد خرقة الصوفية من شيخه في المنام على تباعد في الزمان والمكان بينهما، وفي هذا من الطرافة والخيال الخصب في آن واحد ما لا ينكره أحد. فما دام التصوف قد اعتمد في سلوكياته، وأدبياته الحدس و[استقالة العقل] كما يسمّيه د. محمد الجابري، ومادام قد دعم الكرامات من طيران في الهواء، ومشي على الماء، وأكل للجمر، وخرق للعادة والقانون الطبيعي، أقول ما دام قد اعتمد ذلك كلّه فما المانع بعد ذلك أن يلتقي اثنان في المنام وبينهما قرن أو قرنان فيجيز السابق اللاحق، ويمنحه بركته، ويسقيه من كأسه؟

ولا ندري إن كانت جوخة تستدعي ذلك الذي أشرنا إليه، ولكنّها من المؤكد قد اختزنت من خلال قراءتها منزلة المنام في التراث العربي، ومكانته في علم النفس الفرويدي خصوصاً، وبعد هذا عمدت إلى الاختيار، ولم يكن ذلك الاختيار عشوائياً، بل هو اختيار مقصود، يراد له أن يشتغل بفاعلية ضمن جهاز النص، وشبكة العلاقات فيه، وهي بهذا الإجراء قد حقّقت هدفين: الاختيار الواعي، والتوظيف الناجح، وقادها تينك الأمران إلى النهاية التي تودّ أن تبلغها.

ووفق ما تقدّم فقد فعل النّص المحاذي فعله في النّص المتن، وأضفى عليه من دلالاته، وظلاله الشيء الكثير بحيث وجّهه الوجهة التي يريد، وأوصله في النهاية إلى الخاتمة الطبيعية له.

وللعبارات التصديرية خبر آخر، ونعني بها تلك النصوص المقتطفة بحروفها من كتب أخرى سواء أكانت تلك الكتب قديمة أم حديثة، وكأنَّ جوخة تريد أن تختبر بها ثقافة القارئ، وهل يتمكّن من فرز تلك النصوص عن نصّها الخاص، ولا نسترسل في هذا الأمر، فما يهمّنا منه هو مدى فاعلية تلك النصوص، والعبارات التصديرية في إغناء النّص الخاص، وليس هذا الأمر بجديد على النّص الأدبي، ولعلَّ مصطلحات مثل التضمين، والاقتباس، والالتقاط تقترب إلى مدى معين ممّا نحن فيه، ولكنّ الفيصل يظلّ هو مدى قدرة صاحب النّص على التوظيف، والإغناء.

ونحن نواجَه هنا بنصوص لأبي حيان التوحيدي، وجلال الدين الرومي، وأبي مسلم البهلاني، وحسب الشيخ جعفر، ومحمود درويش، ومريد البرغوثي، مع إشارات خاطفة إلى المتنبي، وامرئ القيس، والسيّاب، وعبدالرحمن حنيف، ولكنّنا نسارع فنقول إنَّ هناك خيطاً رفيعاً خفياً يجمع بين أولئك الأعلام على تباعد بينهم في الزمان والمكان، ولا يمكن أن يكون ذلك الخيط سوى التصوف بصوره المختلفة، إذ لا تصطفي من كتبهم، أو نصوصهم إلاّ ما له علاقة وثقى بالتصوف، كأن يكون استبطاناً، أو مناجاة، أو لوماً للنفس، أو تقريعاً لها على ما فرّطت في أمورها، وهو استثمار ناجح لتلك النصوص نفخ في نصّها الخاص حياة جديدة من جهة، وأوثق صلته بالمناخ الصوفي التي تريد بناءه من جهة أخرى.

يبدأ أحد الأقسام ببوح خفيّ لأبي حيان في الإشارات الإلهية هو: »الخوف يقبضني، والرجاء يبسطني، والحقيقة تجمعني، والحق يفرقني، فإذا قبضني الخوف أفناني عني بوجودي، فصانني عنّي، وإذا بسطني الرجاء ردّني عليّ بفقدي، فأمرني بحفظي، وإذا جمعني بالحقيقة أحضرني فدعاني. وإذا فرقني بالحقّ أشهدني غيري فغطاني عني. فنائي بقائي«، وفيه من المصطلح الصوفي، ما يقدّمه من دلالات عميقة ما يغني كثيراً عن الشرح، فهناك القبض، والبسط، والحقيقة، والفَرْق، والحقّ، وذروة النّص، خاتمته: فنائي بقائي، وهي كلّها مصطلحات صوفية أسهبت كتب المصطلح الصوفي في شرحها، وتبيان مراميها البعيدة، وليس هذا بغريب، فهي تقتطع من كتاب مخصوص لأبي حيان هو [الإشارات الإلهية]، وهو كتاب مختلف اختلافاً بيّناً عن كتبه الأخرى كالبصائر والذخائر، والإمتاع والمؤانسة، وأخلاق الوزيرين. فهو كتاب - بما شئنا من المعاني - صوفي بدءاً من عنوانه بحسبان أن التصوف »علم يدور بين إشارات إلهية وعبارات وهمية«، كما يقول أبو حيان نفسه، ويجلّي أبو علي الروذباري هذا الأمر بقوله: »علمُنا هذا - أي التصوف - إشارة فإذا صار عبارة خفي«، ومروراً بموضوعاته ومعانيه، وانتهاءً بمقاصده وخواتيمه، وهو يذكّرنا بطواسين الحلاج، ومواقف النفري، وفتوحات ابن عربي، هو مناجيات، وابتهالات، ونزوع صوفي مستميت للوصول، فليس غريباً بعد هذا أن يأتي وهو مثقل بالمصطلح، والروح الصوفيَّين كليهما، والعبرةُ بعدُ هنا لا بالنص وحده، فالنّص هناك تحويه دفّتا الكتاب، بل العبرة بالاختيار، والتوظيف، ولذلك نرى جوخة تسوق ذلك النّص وكأنّه استمرار في وصف حال [البطلة] الخارجي، والداخلي، وتمزّقها بين أحلامها الوردية الشفّافة، وبين ما تواجهه من تلك الكثافة المعتمة في هذا [الخارج] الكئيب، سواء أكان ذلك الخارج شخصاً، أم مجتمعاً، أم تقاليد، فهي بذلك النص ترمي إلى أمرين أولهما تقرير واقع حال [البطلة]، وثانيهما نزوعها الدائم إلى التخلص من ربقة ذلك الحال، وكسر أغلاله، فإذا كان أبو حيان بلغته الصوفية قد غار إلى العمق في وصف أحوال النفس وهي متقلّبة متغيّرة، بَيْد أنَّه ثابت في مكانه لا يريم بسبب عجزه، وقلّة حيلته، وقسوة ما حوله، فإنَّ جوخة تتّخذ من الجانب الثاني منفذاً بحيث لا تكتفي بالوصف وحده، والثبات وحده، بل تعمد إلى الحركة والاستمرار وهما رمز الحياة، فالبطلة تسمع، وتنتقد ابن العمة، وتعرض الجارات بصورة متنوعة، وتحاول أن تداوي جروح روحها باصطناعها قوة تستمدّها من ذاتها بحيث ينتهي القِسم بقولها: »لقد شفيت تشنجاتي تماماً وسأعود«، لم يكن الشفاء كاملاً وهو ما تشير إليه الكلمات، ويؤدّيه فقه الأحداث، ولكنّه شفاء من نوع خاص على أيّ حال، مع الإلحاح على ذلك الاختلاف البيّن مع التوحيدي الذي آثر القعود والانتظار.

ولصوفي آخر مكان في [المنامات] هو سعدي، وتقتطع جوخة نصّه الآتي: »وإنني لا أرى ماء الروح سجيناً في مستنقع الجسد هذا فلأرفع التراب حتى اتّخذ طريقي إلى البحار«، ومثله أبو مسلم شاعر عُمان المشهور إذ ترافقه جوخة في بيته:

ويـا نـارَ قلبـي مـا لجمـرِكِ كـلّمــا

نضحـتُ عليـه المـاء لا يـتبّــوخ

وبيته الآخر:

هـا قـد ندمـت النـدم الصـريـحــا

علـى حضيـض ذلّـتـي طـريحـا

ولم تكن تلك النصوص - وغيرها كثير - سوى دعائم ثابتة تلاحمت مع النسيج العام للرواية، وغدت جزءاً أصيلاً فيها، عمّقت الموقف، ووسّعت الرؤيا، وأضافت إلى المشاهد أبعاداً جديدة، وأتاحت لجوخة أن تسافر بعيداً في أرواح الشخصيات، وتعود حاملة معها أحلامهم، وذكرياتهم، وخفيّ البوح عندهم، وهو ما لم يكن بمكنتها الوصول إليه لولا تلك المقتطفات أو العبارات التصديرية وهي مغلّفة باختيارها، ومجلّلة بنجاح الانتقاء منها.

ولعلّ ما يتّصل أوثق اتصال بما سبق هو المناخ الصوفي، واللغة الصوفية التي احتلّت مساحة بل مساحات واسعة من فضاء هذه الرواية، وقد قدّم هذا التوجّه طبقات من الثراء للرواية منذ مفتتحها وحتى خاتمتها، فقد نجح في تنويع الأسلوب المستخدم، فهو يتيح لجوخة أن تتنقّل بسهولة بين حوار خارجي بين اثنين أو أكثر، إلى حوار داخلي يقترب من تيار الوعي ينساب كأفعى في مجاهل بعيدة، إلى وصف دقيق غير أنّه مكثّف لحالات متباينة، ولم يكن ليتحقّق ذلك كلّه لولا تلك اللغة الخاصة التي ارتضتها، ونجحت في توظيفها.

ولعلَّ القارئ المدقّق يلحظ أنَّ هناك نوعاً من التدرج في التعامل مع التصوف ولغته الخاصة، فهي تأخذ نصّها أخذاً رفيقاً لتدخله في الوهلة الأولى إلى أجواء روحانية عمودها القرآن الكريم، والحديث النبوي، فإذا رأت أنّها تمكّنت من تثبيت أسس ذلك المناخ بدأت بالغور نحو العمق إذ لم يعد الظاهر، والنّص المباشر كافيين، وهل هناك طريق سوى التصوف يقود الروح والنّص معاً إلى تلك الأعماق التي لا قرار لها، ليس هناك من نهاية لهذا كلّه، فليس هناك إذن سوى الصوفية، وعوالمهم العجيبة، وإشاراتهم الدّالة تصلح لهذا الذي تنوي رسمه، وترحل في فضائه.

القرآن حاضر، إن بالنص وإن بالإشارة، ولا ننسى الإشارة فهو الكهف الذي تأوي الصوفية إليه، وتتلبّس جوخة أسلوبهم لتصل إلى ما تريد، ومع القرآن الحديث، وتكتب: »تخيّلته ينادي في الشوارع بحلّة عمله الأنيقة: لا مساس، لا مساس«، أليست تنظر إلى السامريّ وهو المكتوب عليه أن يظلّ قائلاً لا مساس في قوله تعالى: »قال فاذهب فإنَّ لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعداً لن تخلفه« [طه، 97]، وتكتب: »هذه شفتاي قد علق بهما كلام كثير، وجف دون اطباقتهما، واساقط قشوراً خشنة لم تشفع قط في دنيا الليونة والملاينة«، ومرة أخرى: »فلتساقطي عليّ شهداً جنياً أيتها الهدايا«، وهي تفيء هنا إلى السيدة مريم التي هزّت بجذع النخلة فتساقط عليها الرطب الجني [مريم، 25]، وتكتب: »فخرّ صعقاً في كل فج له رؤيا«، ألا تفيد جوخة هنا من آيتين فتجعلهما في موضع واحد؟ قال تعالى حاكياً عن موسى: »ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال: ربِّ أرني أنظر إليك. قال: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلمّا تجلّى ربه للجبل جعله دكّاً وخرّ موسى صعقاً فلما أفاق قال: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين«، [الأعراف، 143]، وقال تعالى: »وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كلّ فجّ عميق« [الحج، 27]، وتصنع الأمر نفسه حين تكتب: »عيون: عيناه ميزان، عينان نضاحتان، فيهما فاكهة ونخل وأكمام«، فهي تنظر إلى آيتين في سورة الرحمن هما: »فيهما فاكهة والنخل ذات الأكمام«[11]، و»فيهما عينان نضاحتان«[66]، فإذا تيقنت من أنّها قد فرشت أرضية اللوحة، ومهّدتها جاءت تلك اللغة الصوفية التي تستقرّ عليها بعد شقاء وأي شقاء، مع أجواء الصوفية، وعباراتهم التي تستعصي على الفهم الخارجي، فهي تبغي نفساً تتقبّل، وقلباً ذكياً يفهم، وروحاً عطشى ترغب، علّ ذلك الرذاذ يروي شيئاً منها، وهيهات.

لقد غرفت جوخة من بحر واسع، ومدى لا يحدّه البصر، ولعلّي أتكئ هنا على ما قاله الشاعر الكبير الفرزدق حين قيل له: لقد أحسن الكميت في هاشمياته! فقال: لقد وجد آجرّاً وجصّاً فبنى، يريد فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلّم وآل بيته الكرام، وقد وجدت جوخة هي الأخرى أجّراً كثيراً، وجصّاً أكثر فبنت نصّها، ولم يكن ذلك الأجّر والجصّ سوى تراث الصوفية المتّسع، ومعه السلوك العُماني ذو الوجهة المخصوصة الذي نجحت في الانتقاء منه، وتكتب: »... ولم تطفي دموعي ناري، واستعذت، وكنتَ شيطاناً مارداً لا أقوى عليه، فسلمت، وهتفت: راضية بالبلاء يا مولاي«، وتكتب: »... آخر ما يخضد القلب من شوك وما يخترق لحم الأقدام من جمر المشي حافياً على وهم التوحد«، وتكتب: »كنّا نصعد معاً إلى ذرى من التوهج، نكتشف أنفسنا كيف تفنى، وكلّ يوم جديد كان يتفجر بالمزيد، لا آلام إلاّ آلام الحب الخالصة، وشوقه النقيّ الفريد، وسحره الذي ينفي العالم كلّه ويبقينا نحن«، وتكتب: »سمعت صوت عمتي مع توقيع أصابعها على شعر حمد: وإن خلعتِ بدَنكِ؟ إن خلعتِ بدَنكِ مجردة، تكوني حينئذ داخلة في ذاتك، خارجة عن جميع الأشياء مجموعة عليك، مصروفة البال إليك، فترين في ذاتك من النور والبهاء والرفعة والسناء ما تبقين له متعجبة متحيّرة، فتعلمين أنّك جزء من أجزاء الجبروت«. على هذه الشاكلة من التوتر، والتكثيف، والدهشة تتخّذ [الرواية] طريقها، ولا يمكن التعامل معها، أي مع اللغة الخاصة إلاّ بعملية ذي شعبتين: تتمثّل الأولى في [تفكيك] مغاليق الكلمات وردّها إلى أصولها لتستقرّ هناك في حضن الأم الأصل، ووصلها بعد هذا بسياق العبارة نفسها لنكتشف هل تمكنت [الكلمة] من إحداث التغيير الدلالي العميق للعبارة كلّها، بحيث تنقلها من حافتها الظاهرة إلى شفرتها الحادّة الباطنية، أمّا الثانية فتتجلّى في القراءة الشاملة للأجزاء، فالأقسام لنصل إلى المناخ العام الذي أحدثته تلك العبارات، وهي متصلة على هيئة نسق متكامل يشكّل عمود الرواية وبناءها العام، وقد رأينا من خلال ما سقناه آنفاً ذلك الاتصال الحميم بين كلمات مثل: التوحد، والتوهج، والشوق، وخلع البدن، والنور، والجبروت وبين التركيب الذي انزرعت فيه بحيث قدّمت مذاقاً مختلفاً، وأبدعت عالماً غريباً، فإذا ضممنا الجزء إلى جزئه، والإلف إلى إلفه، أشرق النّص متعاضداً يحوم ولا يقع، ويومئ ولا يصرّح.

وقد صمّمت جوخة أن تقطع الشوط إلى نهايته في [لعبة] الحروف والكلمات، ألم نقل سابقاً إنّ لديها الكثير الكثير من الآجر والجّص، فليعمل ذاك عمله، ويشارك في البناء، ولذلك راحت تحفر بعيداً، وتقيم هياكل من تلك الحروف والكلمات، هياكل خاصة بها، غير مسبوقة، وتكتب: »كان لفخّ الفاء في فخره صدأ أراني تآكل سُجف الغد، ولخَور الخاء خوار يكشف خشية التقدّم، وفي وحل الواو غار جبيني، وعلى حدّ الراء المرائية الجهرية تكشّف سري«، وتكتب: »الحياة... مخيفة مخالبها المخبوءة في خبء من السماوات وخبء من الأرض، خائنة خوانة وإن خبت فستخب من رماد الخُب وماء الخوابي، خلا بي فحلبها فخيلّ إليّ أن في خيلائه لخبراً، وحين خبرت ما خفي كان قد أخنى عليّ الدهر«، هذا عن الخاء، أمّا الدال فلها موضع آخر، وتكتب: »أحمل دلوي على رأسي الدنف المتدلّه بالدرب الداني، المنادي بالدنو، وبدلوي الدم الفاسد، يدمدم ليدمغ الدانة، ويدنيها من دبيب الدنس، ويدلي دموعها في دنيا الدنايا«، اثنتان وعشرون دالاً، ماذا تريد خوخة بهذا؟ كان شيخ المعرّة أبو العلاء يلهو في وحدته الطويلة باللغة، فيزخرف، ويلتزم بما لم يلتزم به غيره، ويبحث عن الغريب يضمّنه شعره ونثره، غير أنّي أعتقد أنَّ هذا غير كاف في مقامنا هذا، إذ ينضوي هذا اللعب باللغة والحروف هنا تحت مظلّة التصوف التي وقفنا عندها سابقاً، وللحرف عند الصوفية مقام وأيّ مقام! فإذا اقترن الحرف بالعدد أمكن به تفسير حوادث الدنيا من لدن آدم إلى قيام الساعة، بل إنَّ هناك فرقةً صوفية برأسها قد اتخذت من الحروف عنواناً لها فسمّيت بـ [الحروفية]، وكان قطبها، ومكمن الحركة فيها فضل الله بن عبدالرحمن الحسيني الشاعر المتوفى سنة 804 للهجرة الذي ترك مجموعة من الكتب، غير أنَّ أهمّ جانب فيه هنا هو براعته في تعبير الرؤيا وتأويل المنامات حتى سمّي بصاحب التأويل، وله مع الحروف، والأعداد تاريخ طويل، وكأنَّ جوخة في نزوعها الدائم لاصطناع لغة الإشارة عمدت إلى ذلك اللون من التعبير لتقدّم الحرف وحده هكذا منفرداً بلا قوة تسنده من حرف آخر، فهو وحده كفيل بإحداث الأثر؛ لأنَّ طاقته غير المحدودة مستمّدة من داخله، ولعلَّ قولة ذلك الصوفي توضح لنا شيئاً في هذا الموقف حين أعلن أنّه النقطة التي تحت الباء، فلم يجرؤ أن يكون الباء كلَّها بل عرف مكانته فاكتفى بالنقطة؛ لأنّ إدراك منزلة الباء كلّها أمر عسير، وكذلك هي حين تحرس الشجرة السحرية بحرف الميم، وتكرّر الدال والخاء مرات ومرات، وبمعنى أنّها لم تَرَ شيئاً لدى الصوفية إلاّ وانتفعت به، فإذا رأينا هذا الانتفاع مبتوراً عن السياق العام، لخُيّل إلينا أنّه لعب وزخرفة، غير أنَّ قراءته ضمن النسيج يتيح لنا رؤية أوسع تضع الحرف في مكانه السليم من هيكل التصوف الذي ألّحت عليه.

إنّ ما تقدّم هو من أخصّ خصائص لغة الإشارة التي عشقتها الصوفية، وأخلصت لها، وأتت جوخة فاقتفت أثرهم، وسارت على خطوتهم مع رؤية مختلفة، وموقف معاصر.

ولم يكن عبثاً أن تختتم الفقرة السابقة بالإشارة إلى الرؤية المختلفة، والموقف المعاصر، فلم يكن لجوخة أن تسجن نفسها داخل سجن اللغة، وهي تصرّح أن اللغة مراوغة، تقول ولا تعني في كثير من الأحيان، فهي وإن مالت إلى تلك اللغة الخاصة، وشقيت في ترويضها، وإغناء نصّها لها، وظلّت تلاحقها بالتكثيف، والإشارة، والإيحاء، أقول هي وإن صنعت ذلك كلّه لم يكن لها أن تلقي نصّها هكذا مفرّغاً من كلّ موضوع أو فكرة حتى بالمعنى التقليدي، بل لابدّ من موقف ما، أو فكرة تطغى على العمل كلّه، وتأتي التفاصيل الأخرى لتوضح، أو تعمّق، أو تكمل، ولم تكن تلك الفكرة المسيطرة التي أريد لها أن تملأ فضاء الرواية سوى السطوة الذكورية على المجتمع، ومرافقه كلّها، وهي لم تقل هذا مباشرة، ويحقّ لها هذا، فقد تقع في التسطيح، والمباشرة، وهو ما يخلّ ببناء العمل الأدبي كثيراً، ولكنّها عمدت إلى ما نستطيع تسميته بالمشاهِد المنفصلة التي تنتشر في جنبات الرواية، ولكن عند مقابلة بعضها ببعض تتضح الصورة النهائية، فمقولة الموازنة هي صلب تلك الفكرة، ومن غير الممكن الوصول إلى بغية العمل وهدفه بدونها، كما إنَّ رؤية المشاهد وهي منفصلة يتيح كشف جانب من الصورة فقط، ويلقي بعتمة شديدة على جوانبها الأخرى، وليس هذا في مصلحة الرواية والموقف معاً.

تقدّم جوخة بعناية كبيرة مجموعة من المشاهد وهي تصوّر الذكَر من جهة، وفي مقابلها مشاهد الأنثى، فالذكر كما تكتب: »كان يحوّل الصور الجوية إلى خرائط دقيقة، يستخدم حاسوباً ضخماً معقّداً تتصّل به فتحة تتسع للعين، وحلقة معدنية دوارة لضبط القياسات، وكان يعمل بانتظام كأنما لا يقلق، وكنت أقلق«، وتكتب: »كان واقفاً منحنياً على الطاولة التي افترشتها الصور والخرائط، وبالقلم الرصاص كان يخطّ أرقاماً على بعض الهوامش،... قال فجأة: لعملي علاقة بترسيم الحدود بين الدول«، وتكتب: »سكت هنيهة ثم قال بتردد: عندما أبكي أقول لنفسي: أنا الآن أبكي، كأن شخصاً آخر هو من يبكي وأنا الآن أراقبه... وعندما أرغب أو أكره.. لاحظت أنّه لم يقل: عندما أحبّ أو أكره«. الذكر إذن جادّ، لا همّ له سوى العمل الذي يستغرق وقته كلّه، فتكون النتيجة أن لا وقت لديه للتفكير في أشياء أخرى، وهو سلبيّ إلا حين يتعلّق الأمر بمنزلته عند ذاك يغيّر منهجه وطريقته، ويدافع عن حقوقه المكتسبة على مرّ السنين.

أمّا الأنثى فهي على النقيض من ذلك كلّه الذي مرّ، فبينه وبينها »عوائق العجب، ومحبة الأستار، وولوج الشبهات، وحين رأته أبصرها من علُ، وأبصرته من خلف«، ولن أقدّم نصوصاً أخرى إذ أشعر أن ذلك النص قد اختزل ما تريد جوخة قوله، لقد تمكّن ذلك النّص أن يبوح بألم ما تعجز عنه صفحات كثيرة: الرؤية والإبصار، والـ [علُ] والـ [خلف]، والعوائق، والأستار، كلّ كلمة تشي بسطور عن واقع أليم تعيشه تلك الأنثى النموذج، ولكن هل تستسلم لقدرها، وتترك قيادها في مهبّ الريح؟ تتمرّد [مي] على واقعها، ترفضه، تناقش، وتجادل، »وتؤمن بقضية، بقضايا، وتمشي إليها ككلّ المؤمنين« كما كتبت جوخة، أمّا الأخرى فتلجأ إلى الحلم حيث يحلو لها هناك أن تصنع ما تشاء، تكتب: »وقتلته مراراً في الحلم دون قَوَد«، القتل في الحلم أمره معروف، وأقرب عمل إلينا هو [الخبز الحافي] لمحمد شكري الذي يقتل أباه في الحلم مراراً تخلّصاً من رمز القسوة والتسلّط، أمّا الذي يعنينا هنا هو عبارة [بلا قَوَد] تلك التي قالتها وهي تطفح حقداً أو مرارة، وهي جديدة حتى على الأحلام نفسها، فهذا المقتول لا يستحقّ القتل فقط، بل هو شيء زائد، لا قيمة له، فلا يستأهل حتى القَوَد إذ لا قَوَد لشيء تافه، فكأنَّ جوخة تقدّم كلّ ما تملك من وسائل لتدافع بها عن تلك النماذج المسحوقة، غير أنَّ الأب، والأب وحده يظلّ رمزاً للنقاء، والعذوبة فهي تحيطه بهالة تكاد تصل حدّ القداسة، فهي على النقيض من محمد شكري، ربّما لاختلاف الرؤيا، ولكنّ النتيجة تظلّ متقاربة، فالأب وهذا [الآخر] ذكران على أيّ حال.

اللغة الإشارية المكثّفة، والمضمون المتماهي معها هما أهمّ ما يميّز [منامات] جوخة، وهي تعتمد هذا الأسلوب في مجموعتها القصصية التي سبقت [منامات]، فهي بإصرارها على هذا النمط إنّما تشقّ لنفسها طريقاً تستقرّ عليه، وتتميّز به في آن واحد، وكأنّي أرى أنّها في أعمالها القادمة ستعتمد المزيد من التكثيف، اعتماداً على مقولة النفرّي: كلّما اتّسعت الرؤيا ضاقت العبارة، فبمرور الوقت سيتّسع الوعي، والإحساس الحادّ بـ (الماحول) وعند ذلك ستلجأ إلى هذا الذي قلناه، لقد قدّمت [منامات] بجلاء من الأدلة على أن التراث العربي، وخصوصاً الصوفي منه قادر بتميّز على أن يمدّ الروائي بما شاء إن في اللغة، وإن في الموضوع إذا أحسِن استغلاله، وتمكّن الكاتب من مدارسته واستخراج دفائنه الثمينة، كما أقنعت [منامات] فضول القارئ من أنَّ القراءة تنبع من النّص نفسه، فهو الذي يوجّه القراءة، ويمنحها سمتها النهائي، وليست المقولات النقدية سوى عوامل مساعدة تقوّي القراءة، وتمنحها آفاقاً جديدة غير أنّها مستمدة من النّص أيضاً، وقد منحت [منامات] أشياء وأشياء لهذه القراءة، ومكنّتها من التفاعل معها، واكتناه ما وراء سطورها بما ألقته من [مفاتيح] بين يديها، وهنا مكمن التلاقي الحق بين النص وقارئه المنشود.

تراجع 

(منامات) .. رواية للزمن القادم

قراءة د.وليد عادل           

 (دشداشته البيضاء تومض وتختفي كآخر نجمة في الافق انا خلف الوميض الهث وعبثا احاول اللحاق به اكتشف اننا نصعد سلما حلزونيا يلتوي على الاسطوانة الداخلية لبرج عال يشرئب الى سماء لا حدود لها..)
تستمر الاديبة العمانية الشابة (جوخة الحارثي) في سرد تفاصيل روايتها الاولى (منامات) في لغة قوية وعرض محكم وباسلوب يوحى الينا بأننا امام نمط روائي جديد ربما يختص به الادب العربي لسنوات قادمة فالكتابة تمكنت بمهارة شديدة وبساطة بالغة من ان تضفى على روايتها نوعا من الحداثة التجريبية التي تجذب عقول القراء على مدى التصاعد الدرامي للرواية فتنتقل من صيغة سردية تعتمد على ضمير المتكلم تحكى بها مناماتها وتصف بها خلجاتها، الى صيغة سردية اخرى تعتمد على ضمير الغائب في انتقال مفاجئ يحير عقل القارئ للوهلة الاولى ثم لا يلبث ان يعود لسياق الرواية مرة اخرى بعد استيعابه لهذا التغيير السردي ثم تعود الصيغة السردية من جديد لضمير المتكلم الى درجة قد يشعر معها القارئ قرب نهاية الرواية بشيء من التوحد مع بطلة الرواية بعد ان كان ضمير الغائب قد حقق ما يسمى عند (بريخت) (بالتبعيد) والذي يعطي احساسا بالانفصال بين البطلة وبين الكاتبة بعد ان اتاح هذا الضمير للكاتبة ان تشعرنا بهيمنتها على عالم روايتها ويبدو لنا ان (جوخة) قد نجحت في استخدام تقنية السرد بوعي شديد وهو ما يتضح لنا من التدرج في بناء الرواية على الرغم من التداخل الزمني في احداثها فعلى حين تبدأ الرواية بحلم تتجسد فيه كثير من صراعات الشخصية والتي تدور في عقلها الباطن وربما ايضا في عقلها الواعي نجد ان الرواية قد انتهت بتيقظها من احد المنامات وقد اوحى لنا المنام الاخير ببداية رحلة جديدة في حياتها او لنقل صفحة جديدة من حياتها وبين الحلم الاول والاخير متواليات سردية عديدة لاحداث ومنامات تمر بها البطلة تجسد الصراع ويفسر كل منهما الآخر.
والبطلة او الشخصية الساردة في الرواية هي التي تمتلك مفاتيح جميع عناصرها فهي التي تضع هذا التداخل الزمني بين الماضي والحاضر والتداخل بين الواقع والخيال فتارة تجنح الى الخيال وتارة تهبط الى ارض الواقع وتارة اخرى تهرب من الواقع ولكنها ترمز اليه،وهي التي تصف الشخصيات وتوظف الكاتبة وصف البطلة للشخصيات في خدمة البناء الدرامي بما في ذلك وصف الملامح الخارجية وحتى في وصفها للاشياء الجامدة نجده متناغما مع مجرى الاحداث لاسيما الجو النفسي للبطلة كما رأينا في وصفها للضفدع المرسوم على قميص اختها او يساعد في رسم ملامح الشخصيات مثل وصف هدية الام وهو ما يذكرنا (بتشيكوف) عندما قال اذا ذكرت ان هناك بندقية معلقة على الحائط في بداية القصة فلابد ان يكون لهذه البندقية دور في النهاية فالتوظيف الجيد لوصف اقل الاشياء يجعلنا امام كل كلمة لنبحث في مغزاها.


لقد لعبت المؤلفة على تيمة الغياب والانفصال فاعتمدت على التداعيات والتداخلات الزمنية والجمل القصيرة والوصف الدقيق والعبارات المركزة الموحية وتحريك النص واكسابه حيوية اكثر خاصة وان الشخصيات محدودة فكان لابد من ايجاد تيمة تضفي عامل جذب واثارة على النص فكان الاعتماد على السرد وعلى عنصر التداخل الزمني والاحلام اضافة قوية لبنية الرواية.
ان تجربة الاديبة العمانية الشابة (جوخة الحارثي) تجربة جديرة بان نقف امامها بتروء ثم نقف معها بموضوعية لنقدم للادب العربي عامة والرواية بصفة خاصة اضافة قوية وتجديد طال انتظاره.


الرواية صادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الغلاف للفنانة المكسيكية فريدا كاهلوا وتقع في مائة واثنتى عشرة صفحة من القطع المتوسط.

تراجع

 

 
الرئيسية
الكاتبة
الكتابة
الصدى
صوتك

 جميع الحقوق محفوظة للكاتبة ©