..  كل سعادة الانسان تكمن في المخيلة
 

: صبيٌ على السطح *

  1. قراءة راسم المدهون 

  2. قراءة زينب عساف

  3. قراءة علاء الدين رمضان

  4. قراءة فاطمة الناهض

:في مديح الحب *

  1. قراءة شوقي حافظ 

  2. قراءة هُدى الجهوري  

التقاط غرائب الواقع وواقعية الغرائب

         قراءة راسم المدهون

عالم جوخة الحارثي القصصي يتجول في هموم شخصيات تنتمي غالباً إلى الفئات البسيطة وشبه الهامشية التي تشبه عالمها الاجتماعي ويشبهها حد التماهي والتي يشكل حضورها في القصص امتداداً حيوياً لحضور تلك العوالم والمناخات الاجتماعية ذات النكهة الشعبية بما فيها من ملامح حياة وتفاصيل عيش.
جوخة الحارثي في قصصها الجديدة "صبي على السطح" تختار أبطال قصصها من الهامشيين الذين يحملون سمات شديدة الواقعية ويحملون في الوقت ذاته مسحة من الغرابة تجعلهم أقرب إلى بشر الحكايات، منهم بشر حقيقيين. لعبة جوخة الحارثي أن تحتفي بهؤلاء البشر الطالعين من عوالم مثقلة بأحزان قديمة والذين يشبهون محيطهم فتزجهم الكاتبة إلى عمق المرآة كي نراهم أبطالاً لقصص فيها انحياز لكل ما هو غريب ونادر وإن يكن حقيقياً وواقعياً.


في "صبي على السطح" (منشورات دار أزمنة ـ 2007)، تكتب جوخة رصدها لمصائر شخصيات القاع الاجتماعي برؤية تميل إلي تقديم ما يشبه "بورتريهات" شخصية لا تكتفي بالملامح العامة بل تقدم الجزئيات والتفاصيل الصغيرة وتحرص في الوقت ذاته أن يكون فضاء هذه الشخصيات فضاء ينتمي بكليته إلى بيئة اجتماعية شعبية تتبادل مع تلك الشخصيات خطوط ملامحها وشيئاً كثيراً من ملامح وعيها وثقافتها.
في قصة "المحبوب" تكتب جوخة حكاية "رجب العالي" الذي تمضه فكرة امتلاك المحبوبة ويعجز عن تحقيقها بالرغم من وجود المحبوبة معه وإلى جانبه في صورة دائمة البحث عن تلك الكلمات غير المفهومة التي همهمت بها المحبوبة ذات يوم صار بعيداً. الكلمات التي لا يستطيع تحديدها تماماً والتي هي كلمات حب بالتأكيد. سنوات طويلة، صارت هي العمر كله أنفقها "رجب العالي" في محاولة استعادة لحظة الحب، لحظة الكلمات القليلة والمبهمة تلك.
الحكاية هنا تتعلق بمعنيين واقعي ورمزي، ففي المعنى الواقعي ينتسب "رجب العالي" إلى ذلك المشهد القديم بوصفه حالة الحب إذ تتجسد في كلمات وزواج أعقبها، فيما يشير المعنى الرمزي إلى فكرة الحب ذاتها حين تصعد إلى ذروة كبرى تحرك بخيوط لا مرئية مصائر البشر وتدفعهم إلى طريقها.
قصة "المحبوب" تقارب أن تكون حكاية حب يشبه الايقونة التي تلعب دورها في حياة أصحابها الذين يتعلقون بوشائج روحية بتلك اللحظة العاطفية التي اندلعت منها حياتهم اللاحقة بعد ذلك قصة تنتمي إلى مزيج من برودة الواقع ووهج المخيلة على حد سواء.


رجولة صبي
أما في "صبي على السطح" القصة التي تحمل المجموعة عنوانها، فإن الكاتبة ترصد في براعة وبلغة بالغة التشويق رجولة صبي وهي تتفجر على نار حفلة عرس يتسلل لرؤية النساء الراقصات فيها. هي لحظة زج الصبي في عصف التحولات من الطفولة للمراهقة، لحظة تختار الكاتبة أن تكون محتدمة بالجسد الأنثوي في اشتعالاته خلال الرقص. يتطلع الفتى للمرأة التي اندمجت في الرقص وأخذتها النشوة ونتطلع نحن القرّاء إلى ذلك الفتى وهو "يربي" رجولته في أتون عصف الأنوثة لحظات يعيشها متلصصاً. هي حياة شبه مسروقة تشكل جوهر أيامه القادمة.


قصة "صبي على السطح" نشيد جميل، جارح ومثخن تقدمه الكاتبة بلغة مشحونة تنجح في رصد وتصوير لحظة التحول الكبرى وما يحيطها من أسباب إحباط اجتماعية تنتبه جوخة الحارثي للتعبير عنها. الصبي الذي يخطو نحو عالم جديد نراه وقد توحد مع بشائر عالمه. القصة ترصد دهشة الصبي بعالم الغريزة وقد اصطدم به في صورة النساء اللواتي يظهرن بدورهن في حالة عرض للفتنة من خلال الرقص. إنها قصة الحياة ذاتها وقد ارتطمت بتعبيراتها وصورها في لغة تذهب مباشرة نحو تصوير ما يقع بين السطح حيث يتلصص الصبي والساحة حيث تندفع الأجساد الأنثوية في الرقص.
يلاحظ قارئ قصص "صبي على السطح" حرص الكاتبة جوخة الحارثي على بنية قصصية تحتفظ من الشروط التقليدية للقصة بأهمها ونعني الحكاية فقصص المجموعة كلها تقوم على حكاية قوية لشخصيات قصصية تنتمي إلى "فرادات" وخصوصيات تعيدنا من جديد إلى فكرة إعتناء الأدب والفن بالحالات الأكثر خصوصية، اللا عادية والتي تحمل في ملامحها وجوهرها خروجاً ما من مألوف ما تعودناه. جوخة الحارثي تلتقط تلك الحالات، تتبع خطوات أبطالها. هنا نلاحظ أنهم أبطال بلا بطولة أي أنهم يأتون في لحظات عيشهم ومواجهتهم لوقائع حياتهم وما فيها من صدمات.


عوالم
أعتقد أن أهم ما تحمله قصص هذه المجموعة من المناخات القصصية التي تقدمها والتي تحمل عوالم اجتماعية تقارب الوقائع بحلمية شفافة. الكاتبة التي تحرص على واقعية قصصها تحرص في الوقت ذاته على التجول في عالم أبطالها من دون تلك الأصباغ التفاؤلية بل بكيفيات بالغة الواقعية تجعل القصة شبه قراءة لفصول حيوات اجتماعية تحتدم بالشجن، كما هو حال قصة "ما لن يأتي عبر النافذة"، والتي تضعنا وجهاً لوجه أمام مشهد القسوة وقد سيطر على الواقع وصبغه بألوان الموت، قصة مشحونة بالأسى تكتبها جوخة باقتضاب وتكثيف وتجعلها كلها مشهداً واحداً وحيداً. أما في "بستان الزيتون" و"فراشة البحر" فإننا نعثر على تصوير دقيق لعوالم وشخصيات القصص وانتباه إلى ترك نهايات القصص مزيجاً من الواقعية والخيال معاً.
من اللافت في قصص جوخة الحارثي "صبي على السطح" اعتماد الكاتبة على فنيات قصصية تجمع الحداثة إلى الرغبة في الالتزام بشروط القص وبالذات الحكاية. أبطال القصص هم دائماً من بين البسطاء والذين نصادفهم في حياتنا اليومية ولكنهم مع ذلك ليسوا أبطالاً نمطيين تستحضرهم الكاتبة من فضاءات نقدية مسبقة قدر ما يأتون كحالات بالغة الخصوصية تفرض نفسها وحضورها على الكاتبة وعلى فن القصة.
جوخة الحارثي تعيدنا بقصصها إلى رؤية التفاصيل بوصفها عصب القصة القصيرة. التفاصيل أو بالأدق المشهد الواحد يأخذ عند جوخة حقه في التطور والمتابعة خصوصاً وأنها تكتب قصة فيها اتكاء واضح على قوة حضور الحياة الشعبية الزاخرة بعوالم تحمل روح البسطاء من الناس وتضيء على وعيهم، أحلامهم والكيفية التي ينظرون بها إلى الحياة والآخرين. يمكن ملاحظة ذلك في طبيعة الموضوعات التي تعالجها القصص، وأيضاً في ملامح الأشخاص ذاتهم والذين تنجح القصص في استعادة حضورهم في الفن بألق يشد اهتمام القارئ.
جوخة الحارثي العمانية والتي تكتب الرواية أيضاً من الأسماء الهامة في عالم القصة، فهذه الكاتبة الشابة تحسن رؤية العالم بحدقتين ذكيتين وتعرف في الوقت ذاته كيف تحول رؤيتها إلى فن جميل.


يلفت الانتباه هنا أن الكاتبة تحرص على كتابة قصة قوامها الأساس السرد فنلاحظ أن القصص عندها تأتينا على لسان الراوية ـ الكاتبة. لا مكان في قصص المجموعة لمغامرات تجريبية في الشكل الخارجي على الأقل، وإن كانت جوخة الحارثي تعوض عن ذلك بقوة ارتباط مخيلتها الفنية بواقعية موضوعاتها، وكذلك بجاذبية شخصيات وأبطال قصصها الذين نحبهم. ليس التجريب عند جوخة هواية خارج الضرورات الموضوعية ولذلك يحق أن نقول بأن قصص "صبي على السطح" تصعد إلى ذروة فنية عالية بالوسائل البسيطة والموضوعات التي تبدو عادية ومألوفة ولكنها تصبح هامة بعدسة الفن ورؤية المخيلة المبدعة والكاتبة الرشيقة.

تراجع

 

صبي على السطح ..زجاج يحول دون قـطف الـنجوم

قراءة زينب عساف             

بأدوات متقشّفة لكن غير بسيطة، تبني القاصّة العُمانية الشابة جوخة الحارثي عوالم الشخصيات في مجموعتها القصصية الأخيرة "صبي على السطح" الصادرة لدى دار "أزمنة" الأردنية، وهي العمل الثالث للكاتبة بعد مجموعتها الأولى "مقاطع من سيرة لبنى إذ آن الرحيل" وروايتها "منامات". التقشّف يطول غلاف المجموعة أيضاً الذي يبدو ترداداً بسيطاً لحركة الصبي المتأرجحة على سطح وهمي. إلا أن القصص لا تتخلى عن خلفياتها كما تفعل صورة الغلاف، بل تنهل من بيئة سلطنة عُمان الحالية أو التراثية مما يخدم بنيتها وتطورها الدرامي.


يتكوّن لدى القارئ انطباع مفاده أن القصص تدور غالباً حول تصدّعٍ ما، تصدّع جوّاني في حجم شعرة يحاول الكلام إخفاءه، أو شرحه، أو يفعلهما معاً. هذا التصدّع قد يكون تغييراً مفاجئاً في المشاعر يُعبَّر عنه بالتورية، كما في قصة "الخيول الراكضة" التي تتحدّث عن ناصر العبد، معدّ القهوة في بيت الوالي، يلخبطه الشكل الأنثوي الساحر الذي يتخذه جسد ابنة مخدوميه من دون أن يجرؤ على الاعتراف بمشاعره تجاهها، لنفسه أولاً قبل الآخرين، فيحور ويدور متأمّلاً حياةً من المفترض أنه ألِفها، باحثاً عن مكان الصدع: "هو المعتاد على وضوح دهان الباب وصراحة طعم القهوة وصوت زوجه الجهوري، أزعجه التشويش وعدم الفهم". لكن تأمّل حياته المنسية لا يحمل إليه جواباً، فقد توالى الولاة من مخدوميه وناداه أحدهم بـ"العسكري" والآخر بـ"الحارس" أو "المقهوي" ولم يناده أحد باسمه الحقيقي. وحده التماع الماء الفضي في "الفلج" (البركة) نادى وجوده الفردي، كما فعل التماع آخر هو التماع الأساور في يد ندى. هذه القصة الممتعة تبحث عن الفردية ثم تمحوها، كما لو كان الواقع لا يتسع لها.


التصدّع قد يكون جملة أيضاً. جملة، على غرار "العجز عن امتلاك المحبوب"، تترجمها الكاتبة وتستخلصها من عذاب شخصياتها ثم تبني حولها حياةً كاملة تدور لولبياً كما في قصة "المحبوب" التي تروي كيف لا يزال رجب العالي يبحث عن تلك التلميذة ذات الحقيبة الحمراء التي شُغف بها يوماً لكن الاستعلاء في عينيها يعذّبه، رغم أنها أصبحت زوجته. هذه الشخصية المعصوبة الممغنطة نحو الماضي، تشبه شخصية أخرى ممغنطة بطريقة معكوسة نحو الراهن، هي شخصية سلومة في "العرس" التي يسحرها مشهد العروس أمامها، رغم أنها تمتلك مشيةً جعلتها عروساً عشر مرات.
في مكان آخر، تستخدم الكاتبة المشهدية لتتكوّن القصة في هذه الحال من لقطتين، يمكن عنونتهما بـ"قبل" انقضاء الحدث و"بعده"، كما في "قصص قصيرة جداً" و"لوحة ماتيس". هاتان القصتان تشبهان قصيدتين بصريتين، ترسم فيهما الكاتبة بالكاميرا: "وقف الرجل الأسمر النحيل جداً في الشرفة، وحين مدّ ذراعيه على وسعهما ليقطف النجوم اصطدمت يداه بالزجاج". أما في قصة "على الكرسي الخشبي في الحديقة... جلسنا" فتعمد الكاتبة إلى استخدام المساحات، للتعبير عن تغيّر مشاعر الشخصيتين: "في اليوم التالي كان هناك فراغ من الخشب على يميني، وفراغ على يساره"، كناية عن اقترابهما، أحدهما من الآخر. بينما تغوص الحارثي في قصتها "صبي على السطح" التي يحمل الكتاب عنوانها في وصف حارّ، يجمع بين الصبي وموضوعه، أي النساء الراقصات اللواتي يتلصص عليهن، حتى لا يعود التمييز بينهما ممكناً: "انساب العرق من مفرق شعرها إلى رقبته".


تجدر الإشارة إلى أن إصرار الحارثي على إطلاق أسماء علم كاملة على شخصياتها، يعود ربما إلى رغبتها في الابتعاد عن صيغة المتكلّم التي تورّط الكاتب في مقارنات مع سيرته الذاتية، كما يحدث في الروايات والقصص القصيرة العُمانية، التي تلاحظ الكاتبة، ذات دراسة، أنها تتميّز بالذاتية والرومنطيقية. صفتان حاولت الحارثي الابتعاد عنهما، أو أقلّه التحايل عليهما قدر الامكان في مجموعتها هذه.

تراجع 

 

  "صبي على السطح" الهروب من الانكسار إلى الرمز

قراءة علاء الدين رمضان               

تعد مجموعة ( صبي على السطح ) للأديبة جوخة الحارثي، من المجموعات القصصية المميزة، التي صدرت مؤخراً، لتضيف إلى ثقافتنا العربية المعاصرة بعداً إبداعياً جديراً بالاهتمام والتقدير، لأسباب منها الصدق وفطرية الطرح وبراءة الرؤية، إلى جانب قدرة الكاتبة على الصوغ الفني البارع وأسلوبها في تسجيل التجربة وإدارة الواقع الجمالي للنص ووقائعه بطريقة تدفع القارئ للتفاعل الوجداني دون روية أو اختيار، وكأنه صاحب التجربة الأم أو طرفها الفاعل .

وعلى مدار ثمان عشرة قصة قصيرة وخمس قصص قصيرة جداً، كانت الكاتبة قادرة على طرح رؤى متزنة في نفسيتها، حتى وإن كانت تلك التجربة تعبر عن طبيعة منحرفة أو غير متوازنة بذاتها، وهذا بدوره يكشف عما يمكن تسميته بالجانب الاحترافي لدى الكاتبة العُمَانية جوخة الحارثي.

أساليبها المستخدمة :

ولعل من أبرز السمات الفنية لدى المؤلفة، تنوع استخداماتها الأسلوبية؛ إذ استخدمت في مجموعتها ( صبي على السطح ) أسلوب الرؤية من الخارج – وهو أسلوب نادر نسبياً – في بعض قصصها حيث اكتفت بوصف ما يُرى وما يُسمع دون تجاوز ذلك إلى وعي الشخصية ( مثل العرس، ومشوار لسيتي سنتر ).

تقول في قصة العرس: " سلومة جالسة على كرسيها، ظهرها مستند بكامله على المسند، ورأسها لا بالمرفوع ولا بالمطأطئ، يداها على حجرها بالخواتم الذهبية والفضية والأساور والخرز، وقدماها ثابتتان على الأرض بخلاخيلهما، وعلى فمها شبه ابتسامة، كأن فيها من الرضا والمباركة شيئا، أما نظرتها فثابتة، ممتدة على مدى أفقي، لا تكاد ترمش، في رنو مسترخٍ على العروس".

كذلك استخدمت أسلوب الرؤية المرافقة لتعرض بوساطته عالم النص وبيئته من منظور ذاتي داخلي لشخصية بعينها – قد تكون الكاتبة نفسها – دون أن يكون لها وجود موضوعي محايد خارج وعيها، ( مثل جُل قصص المجموعة وفي رأسها قصة "صبي على السطح" التي احتشدت بالشحنات الانفعالية ).

هذا الأسلوب في معالجة التجربة هو ما تسميه الناقدة البلجيكية فرانسواز كيون: الواقعية الفينومينولوجية – الظاهراتية، حيث يعرف السارد أكثر مما تعرفه الشخصيات، لكنه لا يطرح هذه المعرفة أو يفسر بوساطتها خط الأحداث أو الأحداث نفسها أو يبرر بها أفعال الشخصيات أو اتجاه المواقف؛ قبل أن تصل الشخصيات ذاتها إلى ذلك ( مثل قصة "الخيول الراكضة" ). ويدلنا على هذه المعرفة المثالية – وربما المطلقة للراوي – عدد من المظاهر أبرزها عند جوخة الحارثي الجمل الاعتراضية والتعليق أو التفسير الخارجي وإضاءة السياق والاستطراد والملاحظة وهي كلها من المميزات اللغوية عند الكاتبة؛ تقول في قصة (العرس): كأنها قد خلقت لذلك الكرسي، وطوال حياتها لم تعش في غير هذا المكان، كأن سلومة قد وجدت هناك منذ الأزل فوجودها متصل وسيتصل أبداً". وفي قصة ( على الكرسي الخشبي في الحديقة ... جلسنا ) تقول : " كأن الكرسي لن يتوازن إلا بجلوسنا هكذا ".

إذ تعد الملاحظة والاستطراد والجمل الاعتراضية نقاط كشف وإضاءة وتنوير تضيف للنص ولأبعاده الدلالية والأدائية .

أما الأسلوب الثالث الذي استخدمته الكاتبة بسعة؛ فهو أسلوب الرؤية الشمولية ( أو السارد ذو الخلفية المتكاملة الواضحة )، وهو نمط كلاسيكي السارد فيه يملك معرفة مطلقة لا يعوقها عائق عن التدفق خلال الصوغ، وهو أكبر معرفة من الشخصية نفسها، ويستخدم هذا الأسلوب ضمير الغائب؛ تقول الكاتبة في قصة التيمينة : "سيقيم أبوها مأدبة ضخمة، ويذبح خرافا كثيرة من المزرعة، وستوزع أمها الحلوى على الجميع بعد أن يرجعوا من التيمينة، ويمروا بهتافاتهم على كل أنحاء البلد، سيلتهمون الحلويات بلا حساب، وستلعب البنات بالزعفران الذي تضعه أم نورة على وجوههن، ويدعكنه في خدود بعضهن البعض كما فعلن في تيمينة بلال، ولن تنتبه أمها إلى جانب من تجلس نورة، ضحكت نورة بحبور وهي تدندن : هذه تيمينة مبينة فائقة رائعة حسينة.."؛ فالكاتبة هنا ذات وعي كلي متكامل داخليا وخارجياً، فهي تعرف تفاصيل الأحداث الخارجية أكثر من الشخصيات كما تعلم ببواطن ما يدور في وجداناتهم، فنلاحظ استخدامها لسين التسويف وأفعال الاستقبال، كما أنها تدري ببواطن الأمور كما تعرف ظاهرها ومستقبلها؛ فنجد أن نورة عندما ضحكت.. ضحكت بحبور؛ وكذلك في قصة الخيول الراكضة كانت الراوية على وعي مطلق بشخصية ناصر العبد الذي لم يعد يفهم المتغيرات المتلاحقة من حوله : " ناصر العبد لم يعد يفهم، كان يرى الحياة ساكنة، كان يلمس الحياة ساكنة، ولكنه عرف، بطريقة ما، غامضة، أنها ليست ساكنة كما تبدو" .

والكاتبة بذلك استطاعت أن تستغرق ثلاثة أساليب مميزة في نتاج نصها : ما بين السارد الملاحظ أو الراصد للأحداث، والراوي المشارك فيها، والراوي العاكس لها؛ من خلال مراتب، توزعت بين المستويات الأدائية للسارد ومرتبته في النص، ما بين سارد كلي المعرفة أو سارد ذو وجهة نظر، وسارد موضوعي محايد .

شعرية السرد :

يتميز أسلوب الكاتبة بسمات شعرية مميزة وواضحة، ربما تتجلى عندما تحاول الكشف عن نفسيات شخصياتها، لأن ذلك يكون في الغالب بوساطة لغة شفافة ذات بعد شعري وحضور لغوي واعٍ، قد يجنح إلى الغنائية، تقول مثلاً : " كانت ضحكتها موجة مشاكسة لم ترجع للبحر".

وقد تطور هذا الأسلوب الشاعري في بعض القصص ليصل إلى دور المحرك الرئيس للنص كما هو الحال في قصة ( ماء غير آسن ) حيث ترى عائشة الكلمات عندما تهجر الشفاه المنهكة متصاعدة، ولا يراها سواها، وكذلك في قصة ( الأشياء )، حيث تقول الكاتبة في منولوج خارجي على لسان الشخصية الرئيسة للنص : " آه أيتها السعادة .. عرفتك من رنين صوتك حينما رحلتِ .."؛ فالكاتبة تنظر إلى اللغة بوصفها كيان مستقل أحياناً، لا بوصفها مجرد وسيط دلالي لتوصيل التجربة، وفي سبيل ذلك تسبغ عليها قيماً تجسيدية، وقد تصفها بصفات توحي بأنسنتها، كما أنها تنظر أحياناً إلى اللغة بوصفها بنية مجردة؛ لكنها أيضاً تسبغ عليها استقلالية الوجود، وتسند إليها الأفعال والتحولات، تقول في ( ماء غير آسن ) : " وترتعش ( عودي ) أمام عيني عائشة، ثم تضطرب بقوة، فتركض لتلحق بها، فتفر، فتركض، حتى إذا ما سقطت إعياء كانت ( عودي ) عوداً خشنَ الأوتار، قد اختبأ في الفضاء"، فبين لفظتي "عودي" و "عود" تناسب جناسي في الدلالة، ومظهري في التجسيد .

والكلمات تسهم عندها في تحويل بنية النص واتجاه الدلالة، في ( ماء غير آسن )، تنفي البنية ما يحاول النص طرحه من قيم سلبية تشين سيرة أم عائشة، وكذلك تعبير " الكلمات البيضاء "، يدرأ عنها سوء الظن الذي حاول النص إثباته بقوة، وربما انجلت غمرة النص بينما يظل الغموض عالقاً بذهن المتلقي الذي لا تسعفه أية دلالات لتكوين حكم قاطع على شخصية أم عائشة، وربما السبب الرئيس في ذلك يعود لأسلوب استخدام الكلمات، وإحساس المؤلفة بها .

ومن أبرز أنماط الاستخدام الدلالي للغة لدى الكاتبة؛ الارتقاء بالغرائز عند الحاجة إلى الإحالة إليها؛ فالكاتبة ذات لغة وأسلوب على درجة عالية من الرقي، تحترم الفكرة التي يلوح بها النص وتسبغ عليها ذلك الوقار، حتى وإن كانت إحالة إلى غريزة تصل بين يدي كُتَّاب آخرين إلى الابتذال والإسفاف، والأمثلة على ذلك كثيرة؛ فمثلاً قصة ( المحبوب ) من المجموعة، تحتشد بالإيحاءات والإحالات الجنسية التي تشي بعدم تحقق العلاقة الزوجية، ترسخها عبارات من قبيل: " إلا أن قبضته قد صدئت على المفتاح دون أن تهتدي لموضع القفل"، و: " العجز عن امتلاك المحبوب".

ومن ذلك أيضاً قولها في قصة ( صبي على السطح ): "توتر جسد الصبي وتصلبت كل عضلة فيه وهو يرى خصلاتها تلتصق بجبينها ورقبتها". وهو إيحاء جنسي واضح لكنه غير مبتذل ولا مخل، يرتكز على البعد الإشاري والطاقة الإيحائية الكامنة في لغة المؤلفة وقدرتها على توظيف مفرداتها من ناحية، ومن ناحية أخرى عمق الإحساس بالتجربة الفنية وأساليب نتاجها .

والتكرار من سمات الأسلوب

أما التكرار فيعد من السمات الأسلوبية لدى الكاتبة، وهي سمات ذات بعد نفسي بالدرجة الأولى؛ لأن اللفظ لن يحمل دلالته عند تكراره للمرة الثانية؛ إنما سيحمل ظلاً إشارياً، بينما يقل المعنى المحمول بوساطته بوصفه معرفة، فلا يقدم جديداً في المستوى المعجمي أو الدلالي للبنية المفردة، لكنه عندئذ يفتح سيلاً من الدلالات الوجدانية والنفسية، ويلعب أدواراً في مجالات بلاغية ونحوية أخرى كالتأكيد؛ تقول الكاتبة في قصة ( المحبوب ) : "وهمست.. همست لي"؛ فالتكرار هنا يوحي بالانفعال، والتأكيد على اتجاه الهمس إليه يزيد الانفعال أهمية لتخصيصه وقصره على نفسه .

ومن أوجه استخدام التكرار عند الكاتبة: التكرار ذو المعطيات الدلالية الضمنية التي تسهم في دعم التصاعد الدرامي للحدث داخل القصة، ولا يقوم دونه البناء النسقي والدلالي للتجربة الفنية، مثل جملة " ندف الغيم الأبيض"، التي كررتها الكاتبة في القصة الرابعة ( في الساعة الأولى ) من قصصها القصيرة جداً؛ حيث وردت الجملة في درج النص وآخره

التصوير النفسي للواقع :

وللمؤلفة قدرة مؤكدة على استخدام الأبعاد النفسية والوجدانية؛ تضاهئ قدرتها على صوغ تجاربها بأساليب لغوية وفنية بارعة، ومن وسائلها لتحقيق هذه البراعة التصوير وتجسيد الحالات الوجدانية داخل صورة مؤثرة، تتراوح ما بين الرومانسي والدرامي، فتحمل في رومانسيتها المتلقي إلى آفاق من المتعة والتأثر الوجداني، بينما تضعه دراميتها في بوتقة ساخنة من التطهير النفسي، فالمؤلفة تكتب بعض نصوصها وكأنها أغنية رومانسية حالمة وزاخرة بالمشاعر والشحنات النفسية، ومن تلك النصوص: ( بستان الزيتون )، و( جنان )، و( حبة الفاصوليا)..، كما تكتب قصصاً أخرى بمنطوق درامي يشتعل واقعه بالانكسار والضغوط والإحساس بالعجز لحد التحول والتنازل عن السمات الشخصية المهمة كما في ( فراشة البحر )، حيث تغرق الشخصية الرئيسة في الهروب النفسي الذي تولد عنه تحول مادي كناية عن الإغراق في الهروب الوجداني أيضاً، والتقوقع داخل عالمها الخاص؛ بعيداً عن صراعات الحياة والحب والمادة والاختلاس والعوز .

وقد كرست الكاتبة بنية النقيض لتجعل منها مدار الرؤية في قصتها ( نقط خضراء في فستان أبلة فتحية )، إذ تعتمد القصة على بنية التناقض التي شاعت في كل تفاصيلها، فالمدرسة التي يجب أن تكون أماً رؤوماً، تتحول إلى شخصية متسلطة ونفعية، واللون الأخضر المسالم يتحول إلى نوع من التلويح بالعقاب والقهر وحامل الرهبة، ثم فيما بعد العقاب نفسه ممثلاً في الخرطوم الأخضر .

زمن النص :

تجيد الكاتبة اللعب على وتر مستويات المضي، فالماضي المستدعى بوساطة الاسترجاع قد يقيم له النص حاضراً هو في بنيته الكلية ماض بالنسبة للحظة النص؛ فهذا الماضي الذي تنظم الكاتبة عقده ماض مضيء، متداخل، لكنه يظل حاضراً في نفسها لوضوح أثره عليها وضوحاً سافراً حتى لحظة القص، مما جعل لزمن النص أبعاداً غاية في الثراء والعمق؛ فللتجربة زمن ولمطروحات النص زمن ولدلالته بُعد زمني ثالث، مغاير للبعدين الأولين .

ومن أبرز طبقات الاسترجاع ما عالجت به المؤلفة قصتها ( بستان الزيتون )، حيث أبرزت نمطين من أنماط الاسترجاع، هما :

- أولاً : الاسترجاع القريب؛ ويتمثل في الحلم : " في الحلم الذي لم يتوقف عن الهبوط في نومي / كان الورد لا يلون قدميها ".

- ثانياً الاسترجاع البعيد؛ مثل استرجاع مشهد طعام الإخوة، كما أنه أيضاً نمط ينطوي على الشعور بالافتقاد .

وكذلك تعتمد قصة ( سأصلح القطار ) على الموقف الاستدعائي الاسترجاعي، الذي يختلط برغبة جامحة للامتزاج بالماضي والحرص على استبقائه بل والتفاعل معه، لكن هيهات فما الذي ستجنيه سارة بعد موتها من إصلاح القطار ؟؟...

والانفصال عن الماضي في مجموعة ( صبي على السطح ) بعامة، يصيب الشخصيات بالتوتر ويصيب التجربة بالانفعال وعدم الاتزان النفسي؛ فتحولات رجب العالي كانت لها علاقة مباشرة بذاكرته، وبنية الماضي داخلها؛ إذ اكتشف أن المرأة التي تزوجها وعاش معها كل هذه السنوات، منفصلة انفصالاً كلياً عن الماضي الذي يعيش فيه، أسيرا له؛ إذ " لا علاقة لكل ذلك بهذه المرأة المستسلمة له لأسباب تتعلق بالطبيعة الغريبة للبشر، التي لم تحاول الهرب إلى بيت أهلها ولم تحرمه من الطفلة التي أصبحت في المدرسة "؛ إنما له علاقة بعدم إحساسه بامتلاك النمط القديم الذي أسره، وظل يبحث عنه، لكنه لم يكن له واقع إلا في وهمه .

فنصوص جوخة الحارثي ذات أبعاد زمنية شديدة الخصوصية والحساسية، إذ تتعامل مع أنماط زمنية غير أنماط التجربة في الواقع، مما نشأ عنه افتراق فني بين زمن النص وزمن الواقع، كما في قصة ( نقط خضراء في فستان أبلة فتحية )، وقصة ( فراشة البحر )، وغيرهما .

أخيراً :

تحتشد المجموعة برؤى فنية وصوغية، جديرة بالتوقف إليها وملاحظة دورها في النص من قبيل : المكان والزمن واستخدام الضمائر وبناء الشخصيات، وأنماطها السالبة والموجبة، وعناية الكاتبة بالشخصية النموذج، وبناء العالم الخاص، واختلاق الواقع البديل، واستخدام المعادلات الخارجية الموضوعية والداخلية النفسية . والبنية الوجدانية والبعد النفسي للنص، بوصفه ذا حضور فاعل في بناء جل القصص، وفاعليته في السرد، وانعكاس ذلك حتى على الصوغ من خلال إبراز الشحنات النفسية التي تظهر في النصوص بوساطة الجمل القصيرة، على مستوى اللغة، والأوصاف ذات الأبعاد الإيحائية نفسياً . وكذلك الصور البيئية والتناص والاستعانة بالمأثورات والحكايات الشعبية المحلية والقومية والعالمية؛ أو التراثين الثابت ( الشعر ) والمتحرك ( الحكايات الشعبية والمأثورات النثرية )، واستخدام المفارقة والبنيات الشرطية ودورها في بناء التجربة، واستخدام أسلوب التدوير، وأسلوب التطور المرحلي، واستخدام الألوان والرمز، و التلاحق الوصفي في النصوص، وشيوع التوزع النفسي، والإحساس المفرط بالفقد وانتهاء الدور في كتاباتها . ثم أشير على نحو بارز إلى الاستخدام اللغوي والقصة اللغوية، وعتبات النص : العنوان والاستهلال والنهاية، ثم الناتج الدلالي .

وإجمالاً تعد أعمال جوخة الحارثي بيئة نموذجية للتناول النقدي، ولا أتصور أن دراسة واحدة قادرة على استغراق توصيف أبعاد هذا العالم وسبر أغواره، إنما تظل لبنة في بناء لا يدعم النص إلا كما يدعم الإطراءُ نجاحَ المجتهد .

تراجع 

صبي على السطح..تفاصيلٌ مُختلفة

 قراءة فاطمة الناهض

تأخذنى قصص جوخه الحارثى دائما الى حقول خضراء لا مثيل لها من السرد الجميل .انها تخلق مجرة كاملة من منمنمات بالغة الدقه ومدهشه مثل نسّاج دؤوب وماهر، كانه يملك كل الوقت،وليس مستعجلا على شىء.

عوالمها مسكونه بتفاصيل صغيرة مغريه على الخوض فى مجاهيلها بشغف وحماس،تستمد الكثير من تفردها من ازدحامها بالمحلية وسيطرة مفردات البيئة العمانية عليها بشكل يدعو للأعجاب، ولا يمكن تجاوزه او القفز فوقه حين الكتابة عن اجواء جوخه السرديه.

فى مجموعتها القصصية" صبى على السطح" الصادرة عن دار ازمنه للنشر /عمان/الطبعة الاولى2007 ،تسرب جوخه الحارثى الكثير من هذه الخصوصية الاخاذة الى اغلب قصصها التسعة عشر ،وما تبقى من نصوص صاغته بوجدان الاغتراب ،حول ذوات يجرحها التوق الرهيف الى آخر مختلف يماثلها اللهفة والشجن،لا تلبث ان تعاوده نصا بعد آخر.

تتناثر الاسماء المحليه على امتداد المجموعه، فتقربنا من بيئة ثرية بالاحداث،تبدو على سكونها وبساطتها مثل تنور يضطرم بنيران الحكى .وليست الاسماء وحدها هى التى تدلنا على المكان،هنالك بيوت وازقه،وأسطح وصحراء وتمر، وتراب تشقه الافلاج ، ورموز دينيه تبرق، وثياب وحلى تظهر وتختفى، وشخصيات نابضة بالمفارقات الشعبية، والتى تشير بقوة الى عمان، ماء جوخة النقى.

("الطريق طويلة ومتربه ،،ونوره تشد المصحف بقوة الى صدرها،لم تركض لئلا يصل الغبار الى المصحف، لم تدلع لسانها لحسون المجنون،لم تتوقف لتغمس رجليها فى الفلج، وتلعب بالماء،لم تمر على بيت زينه العمياء لتقودها الى الكّتاب، وتأكل الملبس من يد جدها، لم تتأمل دكة دكان عامر حيث اصطفت الحلويات المترفعة بالاغلفة الزاهيه،كانت تمشى كأنها لا تمشى، كأن موجا هينا تحتها يدفعها، وشىء واحد فى العالم يشغلها:" التيمينه".)

هذا مقطع من قصّة"التيمينه"، وهى-التيمينه- ختمة القرآن فى زمن الكتّاب، وبمثابة التخرج،حين يحفظ الصغير عن ظهر قلب الاجزاء الثلاثين من القرآن الكريم،وهى ارفع درجات المكانه بين الاقران، حيث يدورون به فى الازقة منشدين ويصبح محط انظار الجميع. ونورة الصغيرة هنا حصلت على مصحف من الحج،خاص ومزخرف وضخم كان مصدر فخر وشعور بالتفوق بالنسبة لها، ودخلت من خلال جماله وتميزه عالما من الحلم بانها لا بد خاتمة المصحف وحائزة لشرف التيمينه،وتستيقظ من حلمها على عصا المطوع وشراسته.

أسلوب جوخة فى السرد يتميز بالهدوء والثقه، طرق خفيف وثابت، على ابواب ذوات مأزومه،لا تلبث ان تنفتح على مآس شخصيه تنمو امامنا وتسير الى نهاياتها بإحساس عميق بهذه الازمات دون محاولة الربط ما بين النصوص والناصه،لمهارتها فى الابتعاد عن فرض اناها على هذا الاسلوب،وان كانت بصمتها المميزه تطغى على مجمل النصوص.

""لم نعد بحاجة الى الكلام، فنحن نتناوب على اطعام الاسماك، وشراء العشاء، ولسنا بحاجة للتذمر..وفى العطلة لم يكن من مبرر للذهاب الى البلد..فأخى لم يعد يختلس الحساب،وابى هدأ بفضل الحبوب،وأصبحت نصرة فى شهور حملها الاخيره

بالامس كدت ان اتكلم...كان جسم صديقى مغزليا مكتنزا،رأسه عريضة طيبه مبططه ...ولكن قشورا حول فمى المخروطى ذكرتنى ان لا حاجه."

هذا مقطع من قصة فراشة البحر، وهو نوع من الاسماك. تحكى القصة، بالتواريخ وكانها مقتطفات من دفتر يوميات، قصة شابين بعيدين عن بلدتهما،يتساكنان من اجل لقمة العيش،أحدهما،غاضب متذمر اغلب الوقت لضياع امانيه وتشتت احلامه( عدم دخول اخيه الجامعه،خيبة امله فى الزواج من حبيبته....ا) والاخر اتخذ من عالم الاسماك حياة بديله عن الواقع،وبطيبة هائلة وجارحه يفقد المهتم بالاسماك(اسماءها وصفاتها ودورة حياتها..)وظيفته لانسلاخه الكلى عن الواقع(صار يقلم الزرع على هيئة اسماك!) واندماجه فى هذا العالم المائى

درجة البكاء على موت فراشة البحر،فى نفس الوقت الذى يبدا صديقه بالتعاطف معه ومع عالم الحراشف والقشور...وصولا الى فقدان الرغبة بالتواصل مع العالم..حيث لا تعود هناك اهمية لاى شىء آخر.ولا سبب ايضا.

فى اغلب القصص ، تمنح الكاتبه القارىء تلك المساحة الطيبة من الاسترسال السلس، المرتب،الذى يمنحه اشباع القراءه الجميلة دون ان تنغص عليه الزوائد والتطويل غير المبرر،اما

النصوص القصيرة فقد تمتعت بلغة بصرية حريصه تغنى عن الاستطراد. ومن ضمنها قصص قصيرة جدا .

القصة التى تصدر عنوانها المجموعه" صبى على السطح" تاخذنا الى سحر اللحظة الاولى فى اكتشاف ذلك العذاب الذى ينهش الروح فى دخولها التباس العشق،اللحظة التى تباغت صبى فى الثالثة عشرة ، يتلصص من فوق السطح على نساء يرقصن فى حفلة عرس على انغام شعبيه،فيضطرب ويتفتت وهو ينظر الى امراة ترقص:

"تهبط متمايلة الى الارض، وترتفع مرتعشة الى السماء"

هتفت بنت بشجن:"شفت غزيل شارد بين الغزلان"

حمل الغزال الصبى على ظهره وشردا معا،تسارعت ايقاعات المرأة وتثنت، كاد الصبى ان يبكى

لمخالب الألم الصاعق من تموج جسدها،"

"جسدها الملتوى حول عنق الغزال محكم الالتفاف عليه ، خانقه،حتى ترنح متهاويا مسقطا الصبى عن ظهره محشورا بين جدارين موثقا بحبال العشق الغليظه."

اغلب ازمات الشخوص فى قصص جوخه، تاتى من توقع مغاير للحياة، واصطدام هذا التوقع،بشراسة لا يمكن مجاراتها ، ومن ثمة اما ان تتفاقم هذه الازمات فيراوح الابطال فى الألم ، او يتحايلون ولا ينجحون الا نادرا.

وتظل قصة المحبوب،ماسة العقد بالنسبة لى، ""لم يعديقضى الليالى فى بيته، صاحب الاصدقاء واشباههم،اتقن العاب قتل الوقت كعدو،سافر ليتذوق الجديد،لكنه لم يكن هناك،كان فى مكان آخر، وشىء واحد فقط على هذا الكوكب التافه ظل يبوصل تفكيره بلا هواده:" العجز عن امتلاك المحبوب"، هذه هى الصياغة الأخيرة لعذاباته."

مجموعة قصصيه تستحق القراءه،وتثير الاعجاب،مشغولة بثقة وتأن وجمال ولغة عاليه، لا تشى براءة الاخراج التقنى وبياضه النقى( لوحة الغلاف لعماد ابو صالح من مصر)،بمهرجان الارواح الصاخبة التى تسبح فى عوالم مثيرة بين ضفتين.

 تراجع

صوت في مديح الحب..

قراءة شوقي حافظ   

زمن طويل مضى منذ أن قرأت نصوصا نثرية تمتدح الحب وتمسح غبار الرتابة عن وجهه الصبوح وتستجلي معدنه الثمين من شوائب إيقاع زمن رقمي لاهث يغتال الحب ويغيّر مفهومه حتى تدحرج على درجات السلم الموسيقي إلى أدناه حيث الفجاجة والحسّية الغليظة، لهذا سعدت بالتعرف على إبداع يعيد للحب سيرته الأولى، بقلم نسائي يمتلك أدواته وقدرة رهيفة على الولوج داخل النفس البشرية ورصد واختزان مشاعرها البكر، وهكذا بدأت قراءة مدائح جوخة الحارثي للحب بنص صادم لحلاوته المعتقة: أحببت كريات دمه البيضاء والحمراء والصفائح الحديدية (الدموية يا جوخة!) وزر قميصه وعظام قفصه الصدري وكبده وحذائه وصحن السمكة الأزرق والحصى الذي يبعد عشرة كيلومترات عن بيته ومخ ساقه وبصيلات شعره وشاربه الأسود وعلم مدينته وطحاله وعظام جمجمته الناتئة وكرة القدم التي ركلها صبيا و..

أواصل قراءتي: والماء المر الذي يشربه والبنت التي قبلته عندما كان في السادسة والبركة التي سبح فيها يوم العيد مع أطفال الجيران وسوط أمه ونظارة أخيه ولمعة قرط أخته العروس وبياض عظمة إبهامه وسلّة غسيله والخشب في سقف جيرانه ونار أبيه وهداياي التي باعها بثمن معقول وحرف السين الذي يمضغه واسمي وقبيلتي وبيتي وسنّورتي وسيارتي وفستاني الأسود و.. هل كان ضروريا كل هذا الحشد من التفاصيل التي لم تغادر شيئا لمديح هذه العلاقة الانسانية يا جوخة؟ أحسبني سأعتبرها ضمن حسنات النص ورغبة من الكاتبة ـ الراوية في الارتقاء بالحب الى العشق ثم مرتبة الوله وهو أعلى درجاته.. تلك التي ربما انطوت صفحاته مع تاريخ بني عذرة.. لكن جوخة جمعت كل شيء حصريا ونسيت الأصغرين القلب واللسان، فبأي لغة صامتة سوف ينقل المحب مكنوناته لمن يحب ويهوى؟

أنتقل إلى نص (سفر) حيث رحلة قطار تنطلق الى محطتها المعلومة، ومن زجاج النافذة تتوالى المرئيات كما لو كانت فصولا من حياة متواصلة لابد لها ـ هي الأخرى ـ من محطة نهائية للوصول كما رحلة القطار، وداخله تجلس مسافرة تتداعى داخلها الخواطر في مونولوج داخلي طويل: تتذكر مواقف حياتية مع أبيها مغلّفة بمشاعر الحب والحنو يسبغها الأب على صغيرته، ومن الارتحال في الماضي الى الحاضر الذي يتمثل في رحلتها بالقطار وذلك المسافر الذي يجلس قبالتها وتبدو ملامح الطيبة والمودّة على قسمات وجهه، وتختلط مرئيات الماضي بالحاضر وتشعر المسافرة ـ الراوية ان هناك تماثلا بين حب الاب الغائب وذلك الذي يطل من وجه الجالس أمامها فتسأل نفسها: أيكون هو الأب الذي يختزن حباً صافياً يمنحه دون مقابل؟

يتكرر ارتحال الراوية للماضي حيث تستدعي الى حاضرها الأخ والزوج والابن، لتكتمل نماذج الرجل الأربعة في حياة الراوية بمشاعر حب فياضة تنسكب عليها من كل واحد منهم، وفي كل مرة يحدث نوع من التماثل والقران بين مشاعر الحب الذي يسكن دهاليز الذاكرة ويتمثل في الأب والأخ والزوج والابن وذلك الحاضر في المسافر الجالس قبالتها برحلة قطار جمعتهما معا.. وهكذا في كل نصوص ومدائح الحب خاصة نص (الحب يصادق أولاد الشوارع) تحاول الحارثية أن تمزج مشاعر الحب قديمه وحديثه في نصوص ترتب ظهر الحب، تهدهده، تمسح الغبار عن وجهه المتعب بماء الورد، وجاءت محاولتها صادقة في رصد أغوار النفس البشرية وما يعتمل فيها من مشاعر، راقية في لغتها الأدبية بالغة العذوبة، منصفة ومنحازة لهذا الشيء الجميل الذي يسمونه حبّا!

المصدر: جريدة "الوطن" القطرية.

تراجع

 

مديح الحب.. ذم الحب

قراءة هُدى الجهوري   

لا أدري إلى الآن لماذا تذكرت جبران خليل جبران الذي قرأته منذ زمن طويل، وتذكرت لغته وأفكاره، كما تذكرت أيضا كتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي، وفصوله التي تفند الحب وأقسامه وأنواعه، وأنا أقرأ مجموعة جوخة الحارثي الجديدة "في مديح الحب" والصادرة عن دار ميريت، والمكونة من 76 نصا قصيرا... ربما لأنها تقدم صور متقاطعة معهما عند حديثها عن الحب، أو ربما ثمة أشياء أخرى لا أعلمها إلى الآن.. 

في نصها "سفر" تقول: "من النافذة تمر الأشياء عكس اتجاه القطار"، وهذا بالضبط ما تحاول الحارثية أن تقدمه لنا في هذه المجموعة من خلال الصور التي تسير بنا  في اتجاه معاكس، وصادم لما نتوقع، خلقا لمشهد مغاير وجديد في جمل قصيرة للغاية تحمل تأويلات مختلفة. فهي تخبرنا عن حب غير موجود، أو حب خرافي ومحلق يدفعها لأن تحب كريات دم هذا الحبيب الحمراء والبيضاء والصفائح الدموية، وزر قميصه، وعظام قفصه الصدري، وكبده وحذاءه، وصحن السمكة الأزرق والحصى الذي يبعد عشرة كيلو مترات عن بيته ومخ ساقه وبصيلات شعره وشايه الأسود وصورة الملكة في علبه الرخيصة، وهاتفه الذي داخله الماء وهاتفه الجديد بالكاميرا الذي سرق، وأشياء أخرى لا تعد ولا تحصى من تفاصيل هذا الحبيب.

الحياة وأشياء أخرى:

المرأة البطلة موجودة بكل ثقلها وخفتها في النصوص حيث تظهر من خلال ضمير المتكلم، بينما الآخر هو متواري في ضمير المخاطب الغائب، فـ المرأة متضخمة هنا وحاضرة ومهيمنة على المشاهد بينما الرجل أو الحبيب لا يعدو أن يكون ظلا متنائيا، يفقد حتى صوته لأن سلطة ضمير المتكلم "المرأة" أعلى منه، بل محرك له كما تحرك الأصابع عرائس الدمى بالخيوط. فـ هي من تتحدث بالنيابة عنه، وهي من تخبرنا عنه وعمّا يفعل ولا قدرة لنا إلا على تصديقها في غيابه.

لكن البطل الرئيسي في هذه المجموعة ودون منازع هو القلب المتعب والممتلئ.

تجسد جوخة الحارثي المشاعر الاعتيادية التي تعبرنا جميعا في كيانات حقيقية تأكل وتشرب وتنام وتشعر بالضيق وتتنفس كما نفعل نحن البشر تماما. فهي تمنح حياة كاملة لكل الأشياء التي تجاورها فنجد أن أبطال المجموعة هم: الفراشات واللون والحب والفرح والسعادة واليأس والموت والحزن، كما أن السكين ضمن الأبطال الضروريين لإقامة التوازن الذي تريده جوخه لكي تبقى الأشياء تحت سيطرتها.

فعندما تكلمنا عن الحزن نتخيل أنه حبيبها:

"يجلس الحزن في الكرسي المقابل، نتبادل الهدايا بصمت... نتبادل شرائط شعري بربطة عنقه، نتبادل رباط حذائي برباطه. يجلس على كرسيّ وأجلس على كرسيه".

كما أنها تعرفنا على الفرح وكأنه طفل مشاكس في نصها "الفرح على المنضدة":

"كان هناك فرح صغير جدا، يطوق ركبتيه بيديه، وهو يتأملنا من على منضدة الزينة...ينمو فجأة في الضحكات، ويصارع الدمع كيلا يغرق. يلحس أطباق الشوربة، والسلطة أو يحتسي الشاي والقهوة بلا صخب، يتسلل في بعض الليالي على أطراف أصابعه إلى خلف الأذن الصغيرة ليندس في الرائحة، وفي بعض النهارات يرتدي نظارة شمسية ويستلقي على آثار جروح القدم".

وفي نصها "قضمة" تخبرنا عن السعادة التي زارتها:

"جاءت السعادة ترتدي نظارة شمسية، وتحمل شمسية مشجرة، وتجر قدميها في شبشب على الموضة، لطمت وجهي وذهبت".

كما أنها تجعل من الحب الذي يتمشى بيننا أمرا غير معتاد، أو بمعنى أصح ترينا صورة أخرى للحب لا نعرفها جيدا:

"كان الحب يخرج حافيا، وبلا سهام، يسير في الشوارع، يتناول القهوة مع النسوة الجالسات عصرا أمام بيوتهن..كان الحب ينحدر من السطوح إلى الشوارع، لا يحمل وردا ولا أقمارا، كان يمشي فقط".

تلميع الصورة 

هنالك اعتناء باذخ بالصورة وبتكثيفها وبتصعيدها في اتجاهات متعددة. ففي نصها "ضمير": "حين تضرب أطفالك لا يهجم عليك لينزع السوط من يدك وإنما يدلي قدميه من صندوق الألعاب ويمنحك نظرته العابرة". تصور أن ضميرك لا يفعل أكثر من أن يرمقك بنظرة عابرة ! ولكن هذه النظرة ربما تكون كفيلة بأن تحصد النوم من عينيك لليال طويلة. وفي مقطع آخر من النص ذاته تقول: "وحين تخون أصدقاءك لا يلقي عليك الخطب الرنانة، وإنما يدس حجرا صغيرا في حذاءك". تصور أيضا  هذا العقاب الصغير الذي يضمره لك الضمير، فهو لا يفعل شيء إزاء الخيانة أكثر من وضع الحجر في الحذاء، وهذا الحجر قد يدفعك للتعثر، وقد يدمي أصابعك أو يجعلك تشعر بالحكة في الليل. وفي نصها "جنة" تقول: " كانت هناك جنة صغيرة، ولكنها عالية، وكان علينا نحن الصغار جدا أن نصنع سلالم خشبية لنصل إلى الجنة، وحين اكتملت أخيرا، اكتشفنا أننا لا نجد ما نسند السلالم إليه لنصل إلى الجنة". هذه صورة أخرى تحيلنا ربما إلى أمور غيبية، فقد تكون هذه السلالم هي أعمالنا الخيرة أو الشريرة، قد تكون آمالنا وطموحاتنا تلك التي لا نجيد أحيانا أن نجد لها حائطا ملائما لنسندها إليه... لكن أليس من الغريب أن نفكر ببناء السلم، وننسى أهمية التفكير بما يمكن أن نسند عليه هذا السلم؟ وألا يشبه هذا  تناقضاتنا الكثيرة  في هذه الحياة؟

في نصها اللون البنفسجي: "اللون البنفسجي خرج من غطاء السرير ليتمشى قليلا، التقى ببعض الألوان في الساحة، وزّع بعض المنشورات السرية. في اليوم التالي: خرجت بعض الألوان من المناشف والصابونات والأردية والقمصان والألعاب والساعات والمفارش وذهبت بعيدا".. الصورة تحيلنا إلى إحداث تغيير جذري في الآخر بمجرد أن نتغير نحن، أو ربما تشير إلى التقليد الأعمى ...صورة غرائبية ولكنها تحدث بيننا وتتمشى بالقرب منا وقد لا ننتبه لها أبدا.

 الصورة لدى جوخة الحارثية غزيرة بالإيحاءات، ولا سقف يحدها لأنها ممتدة، ولدى كل واحد منا مخيلة تأخذه إلى سماء أخرى من التأويل. بالمقابل احتوت المجموعة أيضا على صور عادية، ومستهلكة وباردة مثل: "الشمعة احترقت لتضيء نفسها"، "الحمام الزاجل: كمّم فمه لتتمكن رجله الدقيقة من حمل الرسالة". ولكن أغلب الصورة كانت مركزة لإحداث دهشة. فـ جوخة الحارثية لا تعنى بخلق قصة غريبة بقدر ما تعنى بتحريك الأشياء العادية، والعادية جدا من حولها ومنحها القدرة على اقتراف الحماقات، واللهو، والرقص، وصفات أخرى، وهذا ربما يشبه فعل الحب المجنون الذي سمعنا به أو شاهدناه أو اختبرناه بأنفسنا فهو فعل يُحدث دهشة، ويحدث تحولات كثيرة في حياة أحدنا

التكنيك:  

 هناك تكنيك مختلف تعتمد عليه الحارثية يبعد النص عن أن يكون شعر شاعر، ويبعده أيضا عن أن يكون قصة قاص. ففي نصها: "كيف نكتب قصيدة هجاء؟" على سبيل المثال نجدها تقسم النص إلى عدة نصوص لاعتمادها على  التقطيع الداخلي للنص. فنجدها تقسم هذا النص إلى: "في البدء نتوازى"، "في المنتصف تتواطأ الطبيعة"، "في الختام نكتب قصيدة". والأمر لا يقف عند التقطيع الذي يشبه التقطيع السينمائي عند تنامي الحدث من مشهد إلى آخر، وإنما يتعدى ذلك إلى مستوى اللعب بالمفردة  فيتبدى لنا الأمر كمهرج ذكي يلعب مع كراته ليبهرنا بها. ففي نصها "مرور" تقول: "كان واقفا وكنت مارة، مررت من هناك، وكان واقفا، كنت مارة فقط. فتح ذراعيه، فتردد نحوله في القميص الأبيض المتجعد عند ثنية الأكمام. تردد نحوله كهاتف وأنا التفت. كنت مارة ولكني ألتفت، كانت ذرعاه مفتوحتين، لم يكن يشبه الطائر، كان يشبه الفزاعة ، كنت مارة فقط"، فالنص هنا يتحرك بأكمله وفق تحريك المفردات على شطرنج المشهد، وفي نصها "كيف نكتب قصيدة هجاء؟" تقول: "كنتُ أشرب الحليب .. كنتَ تعد لها القهوة. كنتُ أطير في سماء الله.. كنتَ تمسك يدها على الأرض. كنتُ أمشي حافية على الشاطئ .. كنتَ تربط حذاءها... كنتُ أقرأ الشعر ... كنتَ تغسل شعرها. كنتُ أكتب لك الرسائل ، وكنتَ تقرأها لها." فهي هنا أيضا تستعمل ذات اللعبة بذات المهارة، حيث يلعب المهرج على حبلين معلقين على ارتفاع شاهق بتوازن.. حبل هو الأنا المتكلم، وحبل آخر هو المخاطب الغائب.

 كما أن الحارثية تسعى لاختبار علاقتها بالأشياء عبر الأسئلة التي تعرف جيدا أن لا إجابة لها فالأسئلة متوزعة هنا وهناك في المجموعة إلا أنها لا تبحث عن إجابة بقدر ما تشحذ انتباهنا كما في نص "أرى الكهف": "لماذا الكهف بلا باب؟ لماذا الظلام بلا نار؟ ولماذا لحمي نيئا يأكله السحرة؟" وكما في نص بسكويت: "لماذا لم أمت حين دهستني سيارة السائق، وأنا في الخامسة؟ لماذا حملتني الملائكة حين سقطت من سطح بيت المرأة التي لم تعد غامضة ؟"، وغيرها من الأسئلة.

تشريح:

  تتكئ  الحارثية على تشريح القلب بكافة الوسائل والطرق المتاحة لها من أجل اختباره عن قرب،وهي تستعمل الأدوات الحادة جدا لخدشه، وتتعامل معه بقسوة متعمدة في أكثر من مشهد، فتبدو كمن يصدق أن المشاعر والأحاسيس والدفقات تخرج من عضلة القلب التي تنبض، وليس من العقل الذي يفكر. لذا فهي ترهق نفسها بالتنقيب والبحث. فنراها في نصها "كيف تنظف ذكرى" تقول: "افتح القلب، مهترأ وباليا، ولكن لا تخف. اكشط سطحه بقوة، ستخرج بعض خيوط اللحم والدماء السوداء. انكشه بالسكين لتنظفه من الذكرى. أعد كشطه بمكشط  جديد للتأكد.... قم بخياطة القلب بعناية حتى يرجع لشكله الأول". في نص "الأميرة" تقول: " شق ابن الحارس قلبه بالسكين على مرأى منها ومسمع فهزت الأميرة رأسها أسفا". في نصها قطط: "وقفت البنت أمامه، شقت صدرها بسكين، ورمت قلبها إليه، التقط الرجل القلب الرطب ولفه في جريدته الصباحية، ومضى وحين اتسخ قميص الرجل بالدم رمى بالقلب لقطط الشارع".  وفي نص "أثاث": "كنت نائمة، وقلبي نائم إلى جانبي وغير ملتف بالغطاء وغير مكور، رأيته في حلمي موضوعا على صحن الشاي كالجاتو مجهزا بالشوكة والسكين، رأيته وارما ومتزحلقا في قفازات معقمة بيضاء، ورأيته مزينا بالحلي والحلل متكئا على أريكة...وحين صحوت من حلمي انقلبت عليه، ودهسه جسدي الصاحي". وفي نصها أغنية للأرنب المسلوخ: "قالت أبلة كريمة: إذا ذبحتم طائرا أو حيوانا اذبحوه بسكين مشحوذة كيلا يتعذب". وفي نص "هكذا كان الحب": " هكذا كان الحب ... أن تشق صدرك بالسكين لقبض مضغة العذاب".

ألا يبدو غريبا جدا أن يتكرر مشهد شق الجسد لانتزاع القلب؟ وألا تبدو عملية التشريح في المشاهد المتعددة مؤذية حتى للمخيلة؟، وكأن المسألة هي اقتصاص من ذلك الخفقان، ومن تلك الدقات، أو أنها محاولة جادة لإعدام الحياة قبل إعدام الحب... فعندما يتعطل قلب أحدنا أو بمعنى أصح عندما تتعطل عضلة القلب عن النبض تغادرنا الحياة بأكملها...ويبدو أن الحارثية كانت تبحث عن الخيارات القاسية جدا لتثبيت عمل هذا القلب عن الحب.... ألا يبدو هذا مضادا لـ فكرة مديح الحب؟.

طفولة :

هناك طفولة صغيرة تنط بشقاوة بين النصوص، طفولة حقيقية وكأنها مقتنصة من طفولة معيشة فهنالك "أليس" في بلاد العجائب  التي لبست "مريول" البنت الصغيرة ثم لم تعرف كيف تخلعه. وهنالك قصة "الأميرة" التي كانت تغسل شعرها بالشامبو وتدهنه بأرقى أنواع الزيوت العطرية وتضمخه بالعطور الطبيعية، ولكنها لم تكن تفعل ذلك من أجل ابن الحارس المسكين الذي قدم قلبه لأجلها بل كانت تعد شعرها لتزين به فراش الأمير.

نلحظ أن  جوخة تريد أن تشكل ملامح القصص التي سمعتها أو شاهدتها في طفولتها بطريقتها الخاصة، أو كما تحب أن تشاهدها هي وربما تفعل ذلك من مبدأ رفض الحكاية التي نعرف، من أجل حكاية لا نعرف، وكأنها تقول هذه حكايتي أنا.. أنا هكذا أرى أليس، فهي ليست بالفتاة التي تحدث المعجزات، وهكذا أرى الأميرة التي ترفض الرجل المسكين والطيب من أجل الأمير، وفي  نصها البسكويت ترينا وجها آخر للطفولة التي ترفض الوصايا، والأوامر والتنبيهات التي يصدرها الكبار." هناك علبة البسكويت، بسكويت بالزبدة، والعلبة دائرية، والبسكويت مرشوش بالسكر الخشن. أكلنا كثيرا لم يقل لنا أحد إن البسكويت الذي يذوب في الفم بسرعة لا يليق بمستقبلنا الموعود، ولكننا كنا صغارا ، كنا صغارا جدا، ومن يلوم الصغار إن جذبتهم الرسوم الجميلة على العلبة الصلبة الدائرية المثقلة بوعود السكر الخشن؟.

في ذم الحب:

والسؤال: هل كان ما قالته جوخة الحارثي حقا هو مديح في الحب؟  أكاد أشك، وأكاد لا أوقن... لأني أراه من زاوية أخرى تماما يبدو كـ ذم مكثف للحب. فالحب جعل منها امرأة ثقيلة ومصابة بالخيبة بالرغم من أنها تخفي ذلك بقولها أن الحب يجعلها امرأة خفيفة بالرغم من أن قلبها ثقيلا كجراب تمر كما تصوره في أحد نصوصها. وفي نصها  "هكذا كان" تصف الحب بقولها: "أن تبكي البكاء كله من شدة رغبتك في الموت"... فهل يعقل أن يكون هذا مديحا ؟ ربما لأن الحب هو هكذا دائما يأتي بكل لذته ولكن تأشيرة مروره الوحيدة إلى القلب هو الوجع والألم والسهر كما روّج الشعر الجاهلي وشعر اليوم، وكما تروج الأفلام والأغاني والروايات دائما لهذه الفكرة التي ربما لا تخلو من الصحة.

النصوص تشعرنا برغبة البطلة في البقاء في الداخل والتكور هربا من صورة الخارج، ربما لأنها لا تعرفه مطلقا، أو ربما لأنها تعرفه جيدا ولأنها تعرفه كان ذلك أدعى لخوفها، بالرغم من أن أفق المفردة لديها واسع ومطاطي ومفتوح إلا أنها تداري خلف كل ذلك التوهج خوفا كبيرا، ورغبة هائلة في التخفي بعيدا

تراجع

 

الرئيسية
الكاتبة
الكتابة
الصدى
صوتك
 

 جميع الحقوق محفوظة للكاتبة ©